سورة آل عمران | حـ 426 | 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 426 | 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يعلمنا الله في سورة آل عمران حقائق الإيمان، فما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يدعو الناس لعبادته من دون الله.
  • ضل بعض الناس فعبدوا أنبياءهم، كاليهود الذين قالوا عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، وما قال الأنبياء ذلك عن أنفسهم.
  • الربانية هي الانتساب إلى الرب، حيث يقيم العبد الأوامر وينتهي عن النواهي.
  • الرباني مستجاب الدعاء، يذكرك بالله عند رؤيته، وعليه سيما الصلاح والسماحة.
  • الرباني هو الدليل الحسي على وجود الله عند عامة الناس، فهو قائم بالحجة عن الله تعالى.
  • يعتبر الإمام السيوطي وجود هذا الصنف في الأمة من فروض الكفايات.
  • الطريق إلى الربانية يكون بتعلم الكتاب ودراسته، أي بالفهم والالتزام معاً.
  • لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص الذي يأتي من الفهم، والصواب الذي يأتي من الدرس والالتزام بالكتاب.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن الأنبياء لم يدعوا الناس لعبادتهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يعلمنا الله سبحانه وتعالى حقائق الإيمان، فيقول:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّـٰنِيِّـنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]

لم يأتِ نبيٌّ ويدعُ قومه أن يعبدوه أبدًا، وهذه حقيقة إيمانية ضلّ فيها بعضهم فعبدوا أنبياءهم.

بيان أن اليهود والنصارى ضلوا بادعاء البنوة لله وأن التوحيد هو الناموس

وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. أبدًا ما حدث [هذا الادعاء من الأنبياء أنفسهم]؛ لا عزيرٌ قال أنا ابن الله، ولا السيد المسيح الجليل قال أنا ابن الله.

ولا الله لا إله إلا الله، هذا هو الناموس الذي جاء به موسى [عليه السلام]، ولم ينقضه عيسى [عليه السلام] بل أكّده. وأكّده النبي المصطفى والحبيب المجتبى [محمد ﷺ]، ودعا الناس لأن تعود مرة أخرى إلى التوحيد الخالص.

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: 79]

معنى الحُكم في الآية وجمع الحكيم على أحكام وتسمية الأنبياء بالأحكام

الحُكم [في الآية] من الحكمة؛ فالله سبحانه وتعالى آتى الأنبياء الحكمة. وهناك جمعٌ للحكيم؛ جمع الحكيم حكماء، مثل الشهيد شهداء، مثل العليم علماء، فقيه فقهاء.

إنما هناك جمعٌ للحكيم ورد في السنة وهو أحكام. كلمة أحكام جمع حكيم، وورد في الحديث تسمية الأنبياء بالأحكام.

فعندما تجد كلمة أحكام لا تقل إن هذه هي الأحكام الشرعية، لا؛ هذه الأحكام هنا جمعٌ نادر للحكيم. والحكيم هو النبي، فسُمّي الأنبياء أحكامًا.

معنى الرباني وأثر الربانية في استجابة الدعاء

﴿وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّـٰنِيِّـنَ﴾ [آل عمران: 79]

الإنسان عندما يكون ربانيًّا يُستجاب دعاؤه. أهم شيء استجابة الدعاء.

يعني ما معنى عبدٌ ربّاني؟ يعني يُقيم في نفسه الأوامر وينتهي عن النواهي، فيكون منسوبًا إلى الرب.

هذا فقط؟ قال: لا، هذا له أثرٌ واضح في استجابة الدعاء؛ يمدّ يديه إلى السماء: يا ربّ، تجده مستجاب الدعاء. يقول الله: هذا رجلٌ صالح، هذا رجلٌ من أهل الله.

معنى كون الرباني من أهل الله وأن الدنيا لم تدخل قلبه

رجلٌ من أهل الله، هذا معناه ماذا؟ الدنيا لم تدخل قلبه.

إذن أصبحت الدنيا ليست معه، إذن فقير؟ لا، هذه الدنيا قد يكون ممسكًا بها بيده. اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.

حسنًا، هو رجلٌ من أولياء الله.

متى يكون من أولياء الله؟ عندما يكون مستجاب الدعوة.

حسنًا، واستجابة الدعوة هذه محسوسة أم بعيدة عن الحسّ؟ هذا محسوس؛ كلما دعا كلما استُجيب له، كلما دعا كلما استُجيب له.

الفرق بين الرباني المستجاب الدعاء وغيره ممن يدعو ولا يُستجاب له

ماذا تريد إذن؟ هل تريد أن ينزل الله ليكلمك؟ هذا هو [الدليل]؛ يوجد شخصٌ صالح يدعو فيُستجاب له.

لكن الذي يدعو ليلًا ونهارًا ولا توجد استجابة، نعم هو أمره لله، ولكنه ليس ربانيًّا. ربما يكون الله يدّخر له الدعاء، ربما يكون الله يمتحنه، ربما يحشره الله يوم القيامة مع الصدّيقين والنبيين، أو مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، لكن ليس ربانيًّا.

الرباني هذا معروف؛ إذا رأيته نظرت إليه هكذا، هو يُذكّرك بالله. أول ما تراه هكذا تقول: لا إله إلا الله.

صفات الرباني المحسوسة في هيئته وسمته والتزامه بالشريعة

ما الذي يجعلك تقول لا إله إلا الله؟ هو وجهه هكذا يا أخي، على وجهه سماحة هكذا، هو ربّاني.

فالرباني هذا محسوسٌ في هيئته، في سَمْته، في استجابة دعائه، في التزامه بشريعته.

﴿وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّـٰنِيِّـنَ﴾ [آل عمران: 79]

فما فائدة الرباني؟ إنه هو الدليل الحسّي على وجود الله عند عامة الناس. يقولون: نحن لم نرَ ربنا، فيُقال لهم: نعم، ولكن هناك من يدعو فيستجيب له الرب. [فالرباني] قائمٌ بالحجة عن الله تعالى.

الرباني قائم بالحجة عن الله وقول الإمام السيوطي في فرض الكفاية

الرباني قائمٌ بالحجة عن الله، أي ماذا يعني [ذلك]؟ أن يأتي إليه قومٌ فيجدوا عنده الحلّ لأمرٍ لا يفهمونه. ربانيٌّ موفّق وفّقه الله.

يقول الإمام السيوطي: إن وجود هذا الصنف [الرباني] في الأمة من فروض الكفايات. هذا فرض كفاية أن يكون لدينا واحدٌ أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو عشرين من الربانيين؛ لكي يصدّق الناس، لكي يطمئن الناس، لكي يقضي الناس حوائجهم بدعائه، لكي يرى الناس السَّمْت الصالح والمثال الصالح.

الرباني أسوة حسنة والطريق إلى الربانية بالفهم والالتزام

يقول لك [أحدهم]: والله إنني لا أعرف كيف أطبّق هذا الدين، فيُقال له: إذن كيف طبّقه هذا [الرباني]؟ هو مثالٌ، أسوة حسنة.

ولذلك كلام الإمام السيوطي كلامٌ دقيق، يقول: إن وجود الصنف الرباني هذا الذي يدعو ويُستجاب له، فرض كفاية في هذه الأمة، يجب أن يكون موجودًا.

﴿وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّـٰنِيِّـنَ﴾ [آل عمران: 79]

وما الطريق إلى الربانية؟

﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]

فيجب أن يكون هناك التزام، ويجب أن يكون هناك فهم. فلا بدّ من أمرين: الفهم والالتزام.

قول الفضيل بن عياض في شرطي قبول العمل الإخلاص والصواب

ولذلك يقول الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه:

«لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب»

الإخلاص الذي يأتي من الفهم، والصواب الذي يأتي من الدرس ومن الالتزام بالكتاب.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.