سورة آل عمران | حـ 403 | 53-55 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 403 | 53-55 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • ذكر الله تعالى في سورة آل عمران قول الحواريين الذين اتبعوا سيدنا عيسى: "آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين".
  • الحواريون هم أنصار سيدنا عيسى الذين أخلصوا الإيمان وأعلنوه عندما سألهم: "من أنصاري إلى الله".
  • مكر الكافرون بسيدنا عيسى، ومكر الله بهم، وهذه من صفات المقابلة (المشاكلة) التي لا يصح اشتقاق اسم منها.
  • قال الله لعيسى: "إني متوفيك ورافعك إلي" والوفاة هنا ليست الموت بل الأخذ والاجتباء.
  • وعد الله بجعل أتباع عيسى فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.
  • في الدنيا علينا البلاغ والبيان والصبر والتعايش دون إكراه على الدين.
  • قال تعالى: "ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون" وهذا خبر عن يوم القيامة لا يدخله النسخ.
  • إذا تولى الناس بعد البيان فالمرجع إلى الله، والموعد عنده سبحانه ليحكم بين المختلفين.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

دعاء الحواريين في سورة آل عمران بالإيمان واتباع الرسول عيسى عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى على لسان الحواريين الذين اتبعوا سيدنا عيسى عليه السلام، يقول ربنا:

﴿ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53]

نعم، الحواريون يدعون ربهم بأنهم قد آمنوا؛ آمنا بما أنزلت في الإنجيل، واتبعنا الرسول سيدنا عيسى، فاكتبنا مع الشاهدين.

الحواريون أخلصوا الإيمان ونصروا سيدنا عيسى عليه السلام وأعلنوا إسلامهم

فهؤلاء [الحواريون] هم الذين أخلصوا الإيمان تمامًا وأعلنوه، ونصروا سيدنا عيسى [عليه السلام].

﴿مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 52]

هم أنصار الله، فهم يقولون على الفور مباشرة مع ربنا:

﴿ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53]

مكر الكفار بعيسى عليه السلام ومكر الله خير الماكرين

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]

من الذي مكر؟ فالذي مكر هم الأقوام الذين أحسّ عيسى منهم الكفر، الذين يمكرون من قبل ومن بعد، الذين اضطروه إلى أن يطالبهم بالصراحة.

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]

صفة المكر لله تعالى من صفات المقابلة والمشاكلة لا تُذكر إلا في سياقها

هذه [صفة المكر] من الصفات التي لا تُذكر إلا مقابلة، أي لا يصح أن تشتق منها اسمًا فتقول إن الله ماكر، لا ينفع هذا؛ لأن هذه من صفات المقابلة.

هذه مثل قوله تعالى:

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]

يجب أن تتذكر معًا هكذا: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، فهذه من الصفات المقابلة يسمونها المشاكلة.

سمّى الله سبحانه وتعالى ما تصرّف فيهم بإذنه مكرًا؛ لأن الذي قد صدر منهم مكر.

معنى جزاء سيئة مثلها وأن العقوبة الإلهية ليست سيئة في حقيقتها

و جزاء سيئة مثلها، لكن هذه الثانية [عقوبة الله] ليست سيئة بل عقوبة، والعقوبة هي التي تمنع الجريمة ولا تجعل المجرم يفلت بجريمته.

ولذلك هي ليست في حقيقتها سيئة، وإنما سُمّيت سيئة لأنها كانت في مقابل سيئة أخرى.

فكذلك سمّى الله تعالى تصرّفه في الخلق مكرًا عندما كان الذي صدر من الخلق مكرًا.

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]

إحاطة الله بالخلق وقدرته عليهم والفرق بين تصرف الله وتصرف العبد

بمعنى أن الله سبحانه وتعالى محيط بنا وقادر علينا، ولا نستطيع أن نخرج من أرضه أو سمائه، وعلينا ألا نمكر وإلا فإن الله يملك من التصرف فينا ما يقابل ذلك المكر.

ولكن ربنا سبحانه وتعالى في تصرفه يتصرف في ملكه، وأنت في تصرفك تصرفت بظلم من عندك؛ لأن هذا الملك ليس ملكك.

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]

أي أن مكر الله خير وإن كان في مواجهة مكر أولئك الذي هو شر.

معنى التوفي في قوله تعالى إني متوفيك ورافعك إليّ وتطهير عيسى من الكافرين

﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ [آل عمران: 55]

متوفيك يعني آخذك إليّ ورافعك إليّ، فإذن الوفاة هنا ليست الموت، وإنما الوفاة هنا هي الأخذ والاجتباء.

﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55]

[أي مطهرك من] الذين كفروا وأتعبوك.

جعل الله أتباع عيسى فوق الكافرين إلى يوم القيامة وإرجاء الحكم للآخرة

﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 55]

يبقى الذين اتبعوك من؟ أولئك الذين قالوا:

﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]

اتباعه هم [المسلمون الموحدون]، وجعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.

﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]

إذن هو أرجأ الحكم إلى يوم القيامة.

واجب المسلمين في الدنيا البلاغ والبيان والصبر والتعايش دون إكراه في الدين

هنا في الدنيا علينا البلاغ، وعلينا البيان، وعلينا الصبر الجميل، وعلينا التعايش.

أي لا يجوز أن أُكرهه على الدين:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

فلا يجوز أن أحمله حملًا على أن ينطق بلسانه، ولكن لا يؤمن قلبه.

وبعد ذلك ماذا يكون؟ هنا وصلنا إلى النفاق، والمنافق هذا في الدرك الأسفل من النار.

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]

إرجاء الحكم في الخلاف إلى يوم القيامة والتوكل على الله عند إعراض المخالفين

يبقى إذا يتبين لنا، ولكن يقول [الله تعالى] هكذا:

﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]

فموعدنا عند مليك مقتدر. نحن نقول الذي فهمناه وآمنا به واعتقدناه وتأكدنا منه وجربناه مع ربنا في تجربتنا مع الله، نقول لما اتضح لنا الحق وظهرت لنا الآيات.

طيب والجدال الكثير؟

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129]

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 20]

إذا أنا هنا أقول له هكذا: توليت، موعدنا مع الله.

الرد على دعوى نسخ آيات إرجاء الحكم إلى يوم القيامة وأن الخبر لا يدخله النسخ

يبقى في أجمل من الإسلام! آخرها في المناقشة لم نتفق، فقال ماذا [الله تعالى]:

﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]

وهل هذه الآيات تُنسخ؟ هذا [الكلام] يتكلم عن يوم القيامة، ستُنسخ كيف؟ أنت منتبه! يعني الكلام هذا يُحيلنا إلى يوم القيامة، فهو يأتي ليخبرنا عن شيء لم يحدث بعد، وبعدها يُنسخ الذي سيحدث؟ هذا كيف سيُنسخ!

فهذه الآيات هذه ليست منسوخة كما يقول بعض الأولاد، تُنسخ كيف؟ هذا يخبرني عما سيكون غدًا، والخبر لا يدخله النسخ.

دعاء ختامي بتنوير البصائر والهداية والسلام

فاللهم يا ربنا نوّر بصائرنا واهدنا واهدِ بنا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.