سورة آل عمران | حـ 392 | 34-35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تشير الآيات في سورة آل عمران إلى نذر امرأة عمران، جدة السيد المسيح، حيث نذرت ما في بطنها محررًا لخدمة بيت الله.
- •النذر ليس واجبًا في ذاته، لكن يصبح واجب النفاذ بعد الإنشاء، فمن نذر وجب عليه الوفاء كأنه أقسم بالله.
- •يستفاد من الآية أن الوالدين لهما حق توجيه أبنائهما، فمن قرر تحفيظ ولده القرآن أو إدخاله الأزهر أو تعليمه اللغات، فلا يعترض عليه لأن الله علق في قلب الوالدين الشفقة على أولادهما.
- •في الدعاء ينبغي وصف الله بالصفة المناسبة للطلب، كقول: "اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم"، فهذا من أدب الدعاء.
- •ذُكر الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قتل سعيد بن جبير، ثم ندم وتألم قبل موته، وكان يدعو الله ويستغفره، وكان يختم القرآن كل سبعة أيام.
- •لا ينبغي للإنسان أن يحكم على مصير أحد، فالمغفرة بيد الله وحده.
مقدمة تلاوة آية نذر امرأة عمران من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 34-35]
هنا قالت امرأة عمران وهي أم السيدة مريم، أم السيد المسيح عليه السلام، يعني امرأة عمران هنا هي جدة السيد المسيح لأمه.
معنى النذر وحكمه الشرعي بين الإنشاء والوفاء
قالت [امرأة عمران]: ربي إني نذرت لك، فالنذر في قوة اليمين. نذرت لك يعني أقسمت بك أن أجعل ما في بطني خالصًا لك ومحررًا لك، يقوم بخدمة بيتك [بيت المقدس].
نذرت ما في بطنها، والنذر يُسلك به مسلك الواجب، يعني ماذا يُسلك به مسلك الواجب؟ يعني هو ليس واجبًا في ذاته؛ ليس واجبًا عليك أن تنذر، ولكن لو نذرت فيصبح واجبًا عليك أن تُوفي، أي يُسلك به -يعني تسير به- في طريق الواجب.
يُسلك به مسلك الواجب، يعني النذر واجب النفاذ وليس واجب الإنشاء؛ تنذر أو لا تنذر أنت حر، وألّا تنذر أحسن. نذرت؟ فيجب عليك، وقد كأنك أقسمت بالله أن تُوفي قسمك وأنت بارٌّ في يمينك.
حق الوالدين في توجيه أبنائهم مستفاد من نذر امرأة عمران
نذرت لك ما في بطني محررًا، يعني خالصًا، يعني سأجعل هذا الذي في بطني من أجل بيتك [بيت المقدس].
وهنا نأخذ الحكم وهو أنه الذي بيده توجيه الطفل والداه، يعني الأب والأم يقرران أن هذا الولد يذهب ليحفظ القرآن، ولا يستطيع أحد أن يعترض عليهما ويقول لهما: إنكما ستحفظان القرآن للولد وهو صغير، دعوه يلعب مع الأطفال! لا شأن له بذلك.
لأن الأب والأم خلق الله في قلبيهما الشفقة على الولد، أنه يجب عليهما بذل هذه الشفقة وإظهارها. فالذي علّق الله قلبه أن يذهب الولد ليحفظ القرآن ويدخل الأزهر الشريف، لا بأس وحسن. وآخر علّق الله قلبه وقالوا: لا، نحن نريد أن نعلّمه لغات ويذهب ليدخل الولد في مدرسة اللغات، فلا يعترض عليه أحد؛ لأن الأب والأم قلبهما الله هو الذي يحركه في هذا [التوجيه].
دليل جواز توجيه الوالدين لأبنائهم من قصة امرأة عمران في القرآن
ومن أين جاء هذا الحكم [بجواز توجيه الوالدين لأبنائهم]؟ من أن السيدة امرأة عمران نذرت ما في بطنها لاتجاه معين، والله سبحانه وتعالى لم يقل إن هذا خطأ؛ فيُؤخذ منه الجواز، أي أنه جائز لها أن تفعل هذا.
وليس لأحد أن يعترض قائلًا: لا، حرام عليك، لماذا هكذا؟ لقد تدخلتِ في حرية هذا الولد! لا يصح هذا الكلام.
أدب الدعاء مع الله ووصفه بالصفة المناسبة لقبول الدعوة
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ﴾ [آل عمران: 35]، دعوة [من امرأة عمران] سبحانه أن يتقبل منك.
﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35]
كما عوّدتنا أنك تستجيب لأهل الصفوة. فهذا أدب الكلام مع الله؛ تقول له: يا رب اغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، أي تصفه بالصفة التي تهيئ لك قبول دعوتك.
يا رب أنت عوّدتنا أنك تستجيب دعائي، فلا تقطع العادة. قل له هكذا، كن فنانًا في الكلام مع ربنا، يجعلك تعرف كيف تكلمه.
قصة الحجاج بن يوسف الثقفي وقتله لسعيد بن جبير ودعوة سعيد عليه
الحجاج بن يوسف الثقفي كان جبارًا وكان قتّالًا، وقتل سعيد بن جبير إمام التابعين من كبار العلماء. وبعد ذلك دعا سعيد [بن جبير قبل مقتله]: اللهم لا تمكّنه من أحد بعدي.
ومات [الحجاج] بعد ثلاثة أيام، وأُصيب الحجاج بالحمى ونام في الفراش، وعرف أن هذه آخرته. وأخذ يبكي ويقول: ما لي وما لسعيد! أنا ما الذي أدخلني مع سعيد؟ دعني، ما لي وما لسعيد أنا!
دعاء الحجاج بن يوسف لربه وفن مخاطبته لله في ساعة الاحتضار
وبعد ذلك وهو في هذه الحالة، سمع وهو جالس [من حوله يقولون]: هذا ربنا سيغفر له، هذا ربنا سيدخله في شروق الجهنم! الرجل هذا الذي نائم سيكفينا شهر إن شاء الله، إن شاء الله نسير عليه غدًا. سمع بأذنه أشياء مثل هذه.
كان [الحجاج] يختتم القرآن في سبعة أيام، كل سبعة أيام مرة. هؤلاء ظلمتهم، ظلمتهم؛ كانوا يختتمون القرآن في كل سبعة أيام مرة.
فيقول وهو يخاطب ربه ويدعوه، يقول: يا رب انظر، كيف -يعني يعرف كيف يكلم ربنا- كيف يا رب أن الناس يقولون إنك لا تغفر للحجاج! اللهم فاغفر لي.
حيلة الحجاج في دعائه واستعداؤه لله على الناس وحكمة الله في خلقه
انظر إلى المكّار! يعني يستعدي الله على الناس، يا رب هؤلاء الناس يقولون إنني لن أدخل جهنم ولن أردها، وإنك لن تغفر لي! ما شأنهم؟ فلماذا يتدخلون بيني وبينك؟ أنت ستغفر لي!
طبعًا ليس كذلك، يا رب اغفر لي. ربنا كبير ونحن ليس لنا أن ندخل بينه وبين خلقه. لماذا؟ هذا حكيم [سبحانه وتعالى]؛ فالإنسان يمكن من قراءته للقرآن ربنا يكرمه، وإن هو سلّطه على الناس لغرض ما، ويعفو عنه بهذه التوبة والمغفرة قبل أن يغترّ. فتنبّه!
ختام الحلقة والإشارة إلى تكملة تفسير قصة امرأة عمران
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ [آل عمران: 36]، هذا كلام آخر، إذن هذا كلام آخر [سنتناوله في حلقة قادمة].
فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
