سورة آل عمران | حـ 378 | آية 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 378 | آية 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الإيمان باليوم الآخر ركن أساسي من أركان الإيمان، وقد أكد الله تعالى ذلك في قوله: "فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه".
  • اليوم الآخر أمر غيبي يجب الإيمان به يقيناً رغم عدم إمكانية إدراكه بالحواس، ومن أنكره فقد كذب بالدين كله.
  • المنهج الإيماني السليم يقوم على تلقي المعلومات من مصدرين: عالم الشهادة (المحسوس) وعالم الغيب (الوحي).
  • الله سبحانه هو رب الشهادة والغيب معاً، فالكون المشهود والغيب غير المشهود كلاهما صادر عنه.
  • المناهج المادية تضيق على نفسها حين تنحصر في عالم المشاهدة وتنكر الغيب، فتعلم ظاهراً من الحياة الدنيا.
  • العقلية العالمة هي التي ترجع كل شيء إلى مصدره وتبحث عن الحق في نفسه.
  • يجب تجنب عقلية الخرافة التي تشوه الإيمان وتكون سبباً في صد الناس عن الدين.
  • الأمة مكلفة بالوسطية والشهادة على الناس، وهذا تكليف قبل أن يكون تشريفاً.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة تفسير آية الجمع ليوم القيامة من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 25]

في هذه الآية تصريح بالرجوع إلى الله في يوم آخر [يوم القيامة]، وهو أمر في غاية الأهمية لحياة الإنسان ولسلوك الإنسان.

الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان لا يصح الإيمان بدونه

ويؤكد ربنا سبحانه وتعالى مرة بعد أخرى في القرآن كله، ويجعل ذلك [الإيمان باليوم الآخر] من أركان الإيمان التي إذا كذّب بها [الإنسان] فقد كذّب بالدين كله.

حتى إذا أقرّ أحدنا بالألوهية وبالنبوة وبالتكليف وأنكر اليوم الآخر، فإنه يكون غير مؤمن. إذن فهو أمر في غاية الأهمية وركن من أركان الإيمان.

ولذلك يؤكد ربنا سبحانه وتعالى أن هذا اليوم لا ريب فيه، لا شك فيه، فهو يقين بلغ مرتبة اليقين في الإيمان؛ لا يتردد أحدنا في الإيمان به ولا يتشكك، ولا يضع له احتمالًا.

اليوم الآخر غيب لا يخضع للحس والتجريب لكنه يقين إيماني

بالرغم من أنه [اليوم الآخر] في الغيب، وبالرغم من أنه بعيد عنا، وبالرغم من أنه لم يره أحد منا حتى يخبر بأنه قد رآه حسيًّا، فهو ليس تحت التجريب وهو ليس تحت نطاق الحس.

وهذا يؤثر في المنهج؛ فهل أنت قد حصرت معلوماتك وما تتلقاه في الحس؟ أنت كمؤمن، كمسلم، منهجك أعظم وأوسع من هذا. ترى أن تلقّيك للمعلومات يأتي من الكون من عالم الشهادة، ويأتي من الوحي من عالم الغيب.

الإيمان بالغيب والشهادة معًا لأن مصدرهما واحد وهو الله سبحانه

وتؤمن بما قد قرره الوحي على هذه الصفة إيمانًا يقينيًّا لا يتزعزع، كما أنك تؤمن بما في الشهادة من خلق الله، ولا تنكر الغيب؛ لأن الغيب من أمر الله.

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

وليس عنده [عند المؤمن] تناقض بين الشاهد والمشاهد والشهادة وبين صاحب الغيب سبحانه وتعالى؛ لأن الكل والغيب، لأن الكل إنما هو صادر منه من صاحب الغيب سبحانه وتعالى.

فربنا هو رب الشهادة ورب الغيب معًا، والمقصود من الكلام أن الشهادة والغيب صادر من الله؛ هذا من عالم الخلق وهذا من عالم الأمر.

المناهج المادية تنكر الغيب وتحصر المعرفة في الحس فتضيق على أصحابها

والمناهج الأخرى [المناهج المادية] غير ذلك [غير منهج المؤمن]؛ قال لك [صاحب المنهج المادي]: ما لي دعوة بربنا وما لي دعوة بالغيب، أنا لا أعرف إلا حياتي الدنيا التي أراها، غير ذلك لا تدخلني في متاهات. فأغلقوا على أنفسهم وضيّقوا واسعًا.

﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]

أغلقوا على أنفسهم وأنكروا الحقائق؛ لأن المشاهد والشهادة متعلقة بالغيب، والغيب مرئي خلف الشهادة.

من أنكر الغيب واكتفى بالمشاهد فقد خدع نفسه وعجز عن تفسير الحقائق

فعندما لا نراه [الغيب] أو نُعمي أنفسنا عنه، فنحن لسنا من أهل الحقيقة والحق، إنما نحن نحاول أن نوهم أنفسنا وأن نضحك على أنفسنا بالاكتفاء بالشاهد والمشاهد وبإنكار الغيب.

فإذا ما جاء شيء من الغيب اضطربوا وأخرجوه عن حد التفسير، وعجزوا عن التعامل معه، في حين أن المؤمن بقلبه المطمئن يراه فلا ينكره؛ لأنه واضح، ثم إنه يفسره.

الحاجة إلى العقلية العالمة التي ترجع كل شيء إلى مصدره وتبحث عن الحق

ولذلك فإننا في أشد الحاجة إلى العقلية العالمة. وما العقلية العالمة؟ العقلية التي ترجع كل شيء إلى مصدره، العقلية التي تبحث عن الحق في نفسه ولا تنكره.

لو غلب على المؤمن عقلية الخرافة لأصبحنا في خطرين:

  1. الخطر الأول: أن هذا المسكين الذي حصر نفسه في المشاهد يكون له الحق حينئذ أن ينكر الخرافة؛ عنده حق، هو غير صحيح، خرافة خرافة ليست حقيقة.

  2. الخطر الثاني: أن المؤمن الذي كان ينبغي أن يكون مصدرًا للحق والحقيقة أظلم على نفسه، فحرم الناس من هداية الإيمان.

تكليف الأمة بالوسطية والشهادة على الناس وخطر التقصير في ذلك

فيبقى ربنا [يدعو المؤمن قائلًا]:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: 5]

لأن الذي كفر بالغيب يرى ذلك المؤمن الذي التبس عليه إيمانه بعقلية الخرافة، ويجد لنفسه مبررًا للابتعاد عن الإيمان، فيقول لك: ألم ترَ كيف أنهم خرافيون؟ فتصبح البلوى بلاءين.

وهكذا أمرنا ربنا أن نكون أمة وسطًا لنكون شهداء على الناس، فهذا تكليف قبل أن يكون تشريفًا. الوساطة والشهادة هذا تكليفًا؛ أي لا بد عليك أن تعمل حتى تكون شهيدًا على الناس، فإذا لم تفعل فأنت آثم.

فهذا أمر يحتاج إلى إيضاح، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.