سورة آل عمران | حـ 356 | آية 3-6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الفرقان صفة لكلام الله تعالى بكل كتبه المنزلة، فهو يفرق بين الحق والباطل ويميز كلام الله عن كلام البشر المليء بالأهواء.
- •فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل ذات الله على خلقه، وهناك فرق بين المخلوق والخالق.
- •سمى الله كلامه آية لأن كل آية تشتمل على معجزة تنكشف لمن تأمل بقلب صاف وذهن شفاف.
- •الذين يكفرون بآيات الله بعد انكشافها لهم ويتبعون أهواءهم لهم عذاب شديد لأنهم اختاروا الضلالة على الهدى.
- •حقيقة أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء تمنع المؤمن من المعصية وتدفعه للإيمان.
- •الله يصور الناس في الأرحام كيف يشاء بقدرته المطلقة وعلمه وإرادته، فيجعل من يشاء ذكراً أو أنثى.
- •نسبة الذكور والإناث في الأرض متعادلة بفعل الله، وعلينا عدم العبث بما في الأرحام وإلا كان ذلك فساداً في الأرض.
مقدمة وتلاوة آية إنزال التوراة والإنجيل والفرقان من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 3-4]
إذن الفرقان، هل ترى هو القرآن أم الفرقان هو شيء قد أنزله الله مع كل كتاب؟ يبدو أنه هو الفرقان بين الحق والباطل، ولذلك فهو صفة كلام الله في ذاته، سواء كان قرآنًا أو إنجيلًا أو توراة أو زبورًا أو صحف إبراهيم أو أي شيء كان قد أنزله الله على أنبيائه الكرام ورسله المكرمين، فإنه فرقان.
معنى الفرقان كصفة لكلام الله في مقابل كلام البشر وأهوائهم
يعني كلمة «وأنزل الفرقان» تعني أن هذه صفة لكلام الله في مقابل كلام البشر وأهوائهم. فكلام البشر فيه هوى، وكلام البشر فيه خلط وتلبيس بين الحق والباطل، وكلام البشر ليس فيه مقارنة بينه وبين كلام الله.
فإن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل ذات الله سبحانه على خلقه، وهناك فرق بين المخلوق والخالق.
«وأنزل الفرقان» يعني بذلك الفرقان مع كل هذه الكتب. وبعضهم يقول الفرقان الذي هو القرآن؛ لأنه نزل مع القرآن ذلك المعيار الذي نقيس به ما تم من تغيير وتبديل في الكتب السابقة.
عذاب من كفر بآيات الله واختار الضلالة على الهدى بعد انكشاف الحق
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: 4]
فيبقى أيضًا يتحدث عن مقارنة كلام الله مع غيره، وأن الإنسان إذا لم يختر بين ربه وبين عموم الناس فإنه يجب عليه أن يختار ربنا سبحانه وتعالى.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: 4]
سمى الله سبحانه وتعالى كلامه آية؛ لأن كل آية من آيات القرآن تشتمل على ملمح عند التأمل وعند صفاء القلب وعند شفافية الذهن هي معجزة، والمعجزة في اللغة آية.
وبعد أن يكتشف الإنسان الآية أي المعجزة التي في داخل الآية التي يقرؤها، الكلام الذي يقرؤه ينكشف له منه [الحقُّ]، فإن انكشفت له آية وأعرض عن نفسه وأحب أن يضيع نفسه هكذا، فإن له عذابًا شديدًا؛ لأنه اختار الضلالة على الهدى، لأنه اختار الباطل على الحق.
من يتبع هواه بعد أن أراه الله الآيات فقد اتخذ إلهه هواه
لأن الله لما فتح عليه [بالحق] ويريه شيئًا ما هو آية، ثم بعد ذلك يضحك على نفسه ويخادعها ويسكت صوت قلبه وعقله حتى يتبع هواه.
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4]
ربنا سبحانه وتعالى يبين لنا هنا، وبعد ما بيّن:
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾
وبعد أن بيّن أن:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]
تحدث عن صفات جلاله: أن الله عزيز وأن الله سبحانه وتعالى ذو انتقام.
﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4]
حقيقة أن الله لا يخفى عليه شيء وأثرها في الاستحياء من المعصية
حقيقة أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذه يسمونها حقيقة إيمانية، يعني المؤمن مؤمن بذلك. وهذا يترتب عليه ما عليك إلا أن تستحي من الله، لا تجاهر بالمعصية لأنه يراك ويعرفك.
وأنت أحيانًا وأنت تقترف المعصية تختبئ من الناس، فإن كنت تختبئ من الناس فأين ستختبئ من الله؟ لا [لا مفرّ منه سبحانه].
وعلى المرء أن يتذكر هاتين الكلمتين [أن الله يراه ويعلم سرّه]، ولكن الشيطان ينسيه، وما سُمّي الإنسان إلا لنسيانه، وما أول الناسِ ناسٍ إلا أول [ناسٍ وهو] آدم عاهد ربه فنسي.
وظيفة الحقائق الإيمانية في القرآن الكريم في منع المعصية ودفع الإيمان
فهنا لو أن الإنسان تذكر هذه الحقيقة الإيمانية لمنعته من المعصية ودفعته إلى الإيمان. وهذه هي وظيفة الحقائق الإيمانية في القرآن الكريم:
- •أن الله على كل شيء قدير حقيقة إيمانية.
- •وأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء حقيقة إيمانية.
- •والله لا إله إلا هو الحي القيوم نزّل [الكتاب] حقيقة إيمانية.
وهكذا تستطيع أن تعرف من تعبد. هنا [في الإسلام] في أديان [أخرى] لا تعرف أنت من تعبد، عندما تذهب إلى آسيا هكذا في أديان لا تعرف أنت من تعبد، [الأمر] غامض. لكن هنا [في الإسلام] في صفات للإله المعبود جل جلاله، الله يُعرّف المسلم بها ربه.
تصوير الله للخلق في الأرحام كيف يشاء بقدرته وعلمه وإرادته المطلقة
﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 6]
بقدرته المطلقة وعلمه المطلق وإرادته المطلقة، لا يكون في كونه إلا ما أراد. هو الذي يصورنا ويخلقنا ويبرئنا في الأرحام كيف يشاء، إن ذكرًا فذكر وإن أنثى فأنثى.
الذكورة والأنوثة محتملان، فما الذي يجعله هكذا [ذكرًا أو أنثى]؟ يقول لك: والله أصل هذا إكس إكس وهذا إكس واي، ونعم، من الذي خلق [واختار] الإكس والإكس واي وأي شيء؟ ولا تدع الإكس هذه تذهب هنا ودع هذه تذهب هنا [فالأمر كله بيد الله].
﴿هُوَ ٱلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِى ٱلْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6]
دلالة ختم الآية بالعزيز الحكيم على التخويف من التلاعب بما في الأرحام
العزيز هذه صفة قوة، ما هي صفة جمال، هذه صفة جلال. والحكيم صفة كمال. فيكون هنا هذا جلال وكمال، ما يوجد جمال [في هذا الختم]، فهو يخوفني من أي شيء [يتعلق بالتلاعب بخلقه].
هكذا يخوفني من شيء لم يقله [صراحة]، وهو العليم الحكيم، لو كان قال «وهو العليم الحكيم» لكان الأمر لا يقع عليه [تخويف]، ولكنه يقول لي هنا «وهو العزيز الحكيم».
﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6]
إذن يخوفني من أي شيء، يخوفني من أن أتلاعب بما في الأرحام.
التحذير من التدخل في الأرحام والتوازن الإلهي بين نسبة الذكور والإناث
إذن فلنتجنب التدخل فيما في الأرحام، ولندع الله سبحانه وتعالى يُنشئ الكون وإلا حدث فيه خلل.
كم نسبة الذكور في الأرض وكم نسبة الإناث؟ خمسون بالمائة وخمسون بالمائة. ومن الذي فعل ذلك؟ من الذي فعل ذلك؟ هل قرر البشر أن هذا ينجب ولدًا وذاك ينجب بنتًا؟
لقد مات الناس في الحروب فإذا بها تتعدل النسبة مرة أخرى. فإن الله هو الذي يفعل ذلك، ويقول لنا: إياكم أن تعبثوا بما في الأرحام وإلا كان ذلك من الفساد في الأرض.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
