سورة البقرة | حـ 336 | آية 281 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •التقوى تعني الخوف من الله تعالى والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه والاستعداد ليوم القيامة.
- •الإيمان باليوم الآخر يضبط سلوك الإنسان ويمنعه من الطغيان والفساد في الأرض.
- •يوم القيامة يوم عظيم، يوم واحد فيه يعادل ألف سنة، وقيل خمسون ألف سنة من سنوات الدنيا.
- •الحياة الدنيا قصيرة جداً، فإذا عاش الإنسان مائة سنة فهي تعادل ثلاث دقائق فقط بحساب الآخرة.
- •الدقيقة عند الله تساوي ثلاثة وثلاثين سنة وثلث من سنوات الدنيا.
- •من أدرك قصر الحياة وأنها ثلاث دقائق فقط، سارع للعمل الصالح واجتنب المعاصي.
- •إذا أزلنا زمن النوم وسنوات الطفولة قبل التكليف، تصير مدة التكليف الفعلية دقيقة أو دقيقتين.
- •الله عز وجل لا يظلم أحداً، ويوفي كل نفس ما كسبت يوم القيامة.
- •ينبغي للمؤمن أن يتخلق بأخلاق الله، فيكون رحيماً عفواً متسامحاً متقبلاً للآخرين.
افتتاح الدرس وتلاوة آية التقوى من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَٱتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]
تعريف التقوى وأركانها الثلاثة: الخوف والعمل والاستعداد للرحيل
أمرنا ربنا بالتقوى، والتقوى هي شعور بموجبه تخاف من الجليل، وتعمل بالتنزيل، وتستعد ليوم الرحيل.
فيكون معنى التقوى هو أن تخاف من الجليل سبحانه وتعالى، فيمنعك هذا الخوف من المعصية ومن الفساد في الأرض ومن ظلم الناس. وأن تعمل بالتنزيل؛ لأن الله قد نصحك في نفسك فأمرك ونهاك، فتلتزم عندما يريد الله سبحانه وتعالى ذلك. وتستعد ليوم الرحيل.
الإيمان بيوم القيامة وأثره في ضبط سلوك الإنسان ومنعه من الطغيان
﴿وَٱتَّقُوا يَوْمًا﴾ [البقرة: 281]
جاءت التقوى، إذن من أركان التقوى أن تخاف الحساب الذي ترجعون فيه إلى الله مرة أخرى.
والإيمان باليوم الآخر هو الذي يتحكم في سلوك البشر، ولولا وجود هذا اليوم لطغى الناس وأفسدوا وسيقولون سأنتظر، لماذا؟ ولكن الإنسان عندما يأتي ليعمل معصية وذنبًا وطغيانًا وبغيًا يتذكر ربه، يتذكر يوم القيامة، يقول: هكذا سأضيع يوم القيامة!
حساب عمر الإنسان في الدنيا بمقياس الزمن عند الله تعالى
يوم القيامة ستعيش إلى الأبد، وهنا [في الدنيا] بالكاد تعيش ثلاث دقائق.
من أين جاءت الثلاث دقائق؟ قيل لك إن الدقيقة عند ربنا بثلاثة وثلاثين سنة، فلو عشت في الدنيا مائة سنة فكم عشت؟ ثلاث دقائق.
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]
وبعد ذلك رجع [الله سبحانه وتعالى] وقال:
﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]
الفرق بين يوم الألف سنة ويوم الخمسين ألف سنة وشفاعة النبي ﷺ
ما هذا اليوم الذي مقداره ألف سنة وما الخمسون ألف سنة؟ قال: يوم القيامة ألف سنة، يوم القيامة ألف سنة.
وسيدنا الحبيب المصطفى ﷺ يتوسل إلى ربه ويتشفع في الخلق حتى يكون مُنَّةً على الخلق كله، فينقص الألف إلى خمسمائة.
تخيل وأنت واقف أمام ربك خمسمائة سنة من سنواتنا هذه، ألا تتعب؟ تقف على قدميك ستملّ وتسأم، فذلك يوم القيامة، ولكن هناك أناس تحت ظل عرش الرحمن وهناك أناس عرقهم يغمرهم.
حساب الدقيقة عند الله وبيان أن عمر الدنيا يوم أو بعض يوم
والخمسون ألف سنة، قال: هذا اليوم الذي عند ربنا الذي سيحسب به.
﴿وَهُمْ يَسْأَلُونَكَ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المؤمنون: 113]
يعني الدنيا هذه كلها يوم أو بعض يوم. خمسون [ألف سنة]، اليوم فيه كم ساعة؟ أربع وعشرون. قل خمس وعشرون، خمسون على خمس وعشرين فيها اثنان، فتكون الساعة بألفي سنة.
الساعة فيها كم دقيقة؟ ستون. الألفان على ستين تخرج ثلاثة وثلاثين وثلث، فتكون الدقيقة عند الله ماذا؟ بثلاثة وثلاثين سنة وثلث.
مفاجأة الإنسان يوم القيامة بأن عمره لم يتجاوز ثلاث دقائق
حسنًا، إن كان لديك مائة سنة فتكون قد عشت كم؟ ثلاث دقائق.
عندما يأتي [الله سبحانه وتعالى] ليقول لك: كم عشت؟
﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]
أي تقول له: عشت مائة سنة، فيقول لك الله: في حسابي أنك جلست ثلاث دقائق فقط! فتُفاجأ، والله يعني أنني لم أكن قادرًا على الصبر هذه الدقائق الثلاث.
لو علمت أنها ثلاث دقائق فقط كنت سجدت لم أقم من سجدتي والله!
يسر التكاليف الشرعية وأن الله لم يطلب إلا خمس صلوات في اليوم
وهو [الله سبحانه وتعالى] لم يقل لك هكذا [أن تسجد طوال عمرك]، قال: صلِّ خمس صلوات فقط في اليوم، كل صلاة تستغرق خمس دقائق والباقي قاعد يسعى في الأرض ويعمرها، وهذا له ثوابه أيضًا.
﴿وَٱتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: 281]
وهو يوم القيامة هذا، ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كل نفس ما كسبت.
المبادرة بالعمل الصالح عند إدراك قصر العمر الحقيقي
عندما تعرف أن عمرك مدته ثلاث دقائق تبادر بالعمل الصالح، تجد روحك نزعت نفسك من الشر وألقيت نفسك في الخير إلقاءً. أين الخير هذا لأفعله؟ لأن هي ثلاث دقائق فقط.
لو أزلنا منها عدم التكليف [فترة النوم والطفولة]، هذه الثلاث دقائق فأنت نائم ثماني ساعات في اليوم غير مكلف، هذا الثلث ذهب. لو أزلنا منها خمسة عشر عامًا أيضًا الأولى قبل أن تبلغ، والله هذا لا يبقى شيئًا!
حساب العمر الفعلي المكلف به الإنسان لا يتجاوز دقيقة أو دقيقتين
هذا يصبح لو أزلنا منها [فترات عدم التكليف]، إنه يعني ليس الناس كثيرون يعيشون إلى مائة، هناك ناس يعيشون إلى تسعين، هناك ناس يعيشون إلى ثمانين.
يعني فلو أُخذ منهم العشرون سنة هذه والخمس عشرة سنة هذه وثلث العمر هذا وهكذا، والله هذا يبقى دقيقة واحدة فقط!
ألا تستطيع الصبر يا ابن آدم دقيقة؟ ألا تستطيع أن تصبر دقيقتين على الأكثر؟
النهي عن الظلم والربا والأمر بالتخلق بأخلاق الله الرحمن الرحيم
﴿وَٱتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]
لا ظلم اليوم، وهم لا يُظلمون. والآية التي قبلها:
﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]
وهو [الله سبحانه وتعالى] ينهى عن أكل الربا، يعني يقول لنا: لا تتظالموا يا عباد الله! هذا أنا لست ظالمًا، يعني كما تقولون: تخلَّقوا بأخلاق الله، الرحمن الرحيم فكن رحيمًا، عفوًّا غفورًا فاغفر وارحم وتجاوز، واسعًا فكن أيضًا متقبلًا للآراء المختلفة والأشياء المختلفة.
آية المداينة أكبر آية في القرآن ومدهامتان أصغر آية فيه
هذه [الآيات السابقة] أفهمها الناس كيف يعيشون فيها.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]
وهذه الآيات التالية هي أكبر آية في القرآن، وأصغر آية هي ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64] كلمة واحدة «مدهامتان» في سورة الرحمن.
وأكبر آية صفحة كاملة خمسة عشر سطرًا. إذن هناك أكبر آية وهناك أصغر آية، لا تختلفان في إعجازهما ولكن تختلفان في موضوعهما.
ولذلك وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
