سورة البقرة | حـ 321 | آية 269 - 270 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 321 | آية 269 - 270 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الحكمة من نعم الله التي يؤتيها من يشاء، كما ورد في سورة البقرة "يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً".
  • الإنفاق من أهم ملامح الحكمة، وهو يستلزم مخالطة الناس وعدم العزلة، فالمخالطة مع الصبر على الأذى خير من الاعتزال.
  • لا يقتصر الإنفاق على المال فقط، بل يشمل كل نعمة أنعم الله بها على الإنسان كالعلم والجهد البدني والرأي والنصيحة.
  • من صفات الحكمة التأني والتدبر ووضع الشيء في موضعه الصحيح والرفق في التعامل مع الآخرين.
  • الحكيم كالقاضي العادل لا يتسرع في الحكم ويستمع لجميع الأطراف قبل إصدار الحكم.
  • الإتقان من صفات الحكمة، ولذلك سمي الطبيب قديماً حكيماً لأنه يعالج الإنسان ككل متكامل ولا يقتصر على معالجة عضو دون النظر إلى تأثير ذلك على باقي الجسد.
  • الحكمة تقتضي النظرة الشمولية للأمور وعدم الاقتصار على جزء منها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الحكمة من سورة البقرة وتفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]

يعني العقلاء المتدبرون في شأن الكون وفي شأن كتاب الله سبحانه وتعالى.

موقع آية الحكمة في دستور الإنفاق في القرآن الكريم

ثم تلي هذه الآية قوله تعالى، آية أخرى هي قوله تعالى:

﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]

هذه الآية ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ أتت في دستور الإنفاق في القرآن، ودستور الإنفاق بدأ مع قوله تعالى:

﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 261]

وهذه الآية مائتان وواحد وستون، ثم سرد ما قد ذكرناه في حلقات سابقة، وأتى بهذه الآية في وسط دستور الإنفاق.

من ملامح الحكمة الإنفاق ومخالطة الناس لا الاعتزال عنهم

إذن من ملامح الحكمة أن تنفق، والإنفاق يقتضي منك مخالطة الناس.

هل يوجد معتزل ينفق؟ على من سينفق؟ فإنه لا يصح أن ينفق على نفسه؛ هذا [المنفق] يجب أن يخالط الناس.

فالرجل الأعزب لا يعرف كيف ينفق على أهله لأنه ليس له أهل، أما من تزوج وأنجب فإنه ينفق على زوجته وعلى أولاده. ومن ذهب إلى المسجد فوجد الفقراء فحنّ عليهم قلبه فأعطاهم فقد أنفق.

إذن من الحكمة أن تخالط الناس حتى تكون نافعًا للناس، هو مقتضى [الحكمة] كذلك.

مخالطة الناس والصبر على أذاهم خير من العزلة والاعتزال

إذا كان من الحكمة الإنفاق، وإذا كان الإنفاق لا يتم إلا بمخالطة الناس، فإن مخالطة الناس خير من العزلة والاعتزال.

ومن خالط الناس فصبر على أذاهم فهو خير له، في الحديث كذلك. حديث ما هذا؟ حديث العزلة، يعني يجيز لنا العزلة عندما لا نستطيع أن نخالط الناس ونُفتتن، ولكن يأتي في الآخر فيقول ماذا:

قال النبي ﷺ: «ومن خالط الناس فصبر على أذاهم فهو خير له»

لأنه يبقى نافعًا [للمجتمع]. تبقى الحكمة ليست في العزلة، وإنما الحكمة في المخالطة.

الحكمة في الإنفاق من كل نعمة أنعم الله بها على الإنسان

والحكمة ليست في الشح والبخل، وإنما الحكمة في الإنفاق.

إنفاق ماذا؟ الإنفاق إنما يكون عن سعة، فما آتاك الله به من سعة: قد يكون لديك المال دون الصحة والجاه فأنفق من مالك، وقد يكون لديك العلم — زاده الله بسطة في العلم والجسم — قد يكون لديك العلم فأنفق من علمك، وقد يكون لديك الجسم فأنفق من جسمك.

قال النبي ﷺ: «ولو أن تعين أخرقًا»

أيضًا في الحديث هكذا، ولو أن تعين أخرقًا، والأخرق يعني الذي لا [يُحسن صنعة]، إذا عمل شيئًا فعليه أن ينفق.

الإنفاق لا يقتصر على المال بل يشمل النصيحة والرأي

والإنفاق لا يقتصر على المال، بل من كل نعمة قد أنعم الله بها عليك، حتى في الرأي.

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهذه أيضًا نعمة، إذن فلا تبخل؛ فـالدين النصيحة.

قال النبي ﷺ: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»

هذه هي النصيحة، أي ما هي النفقة [التي يجب بذلها]. وفي الإنفاق حكمة؛ فمن الحكمة الإنفاق، ومن الحكمة مخالطة الناس، ومن الحكمة وضع الشيء في موضعه الصحيح، ومن الحكمة التأني والتدبر والرفق.

الرفق من الحكمة وأهمية الاستماع للطرفين قبل إصدار الحكم

يا عائشة:

قال النبي ﷺ: «إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

لذا عندما تكون رفيقًا تفهم أكثر.

ماذا يفعل القاضي بين المتنازعين؟ يجب عليه وجوبًا شرعيًا محتمًا أن يستمع إليهما.

يبقى من الحكمة ألا تأخذ الإشاعة والمسموع وتتسرع وتبني عليه أحكامك، بل لا بد لك أن تتأنى وأن تنظر إلى الطرف الآخر ماذا يقول وماذا حدث. إذا تولّد لديك شعور القاضي فأنت حكيم؛ شعور القاضي [الذي] لا يتعجل.

مثال القاضي الحكيم الذي ينتظر سماع الخصم الآخر قبل الحكم

وإنما قالوا: إذا أتاك [أحد الخصمين] يحمل عينه على كفه فانتظر الخصم؛ فلعله يحمل عينيه.

يعني واحد يأتي إليك وأنت قاضٍ وعلى يده عين، قال لك: انظر، أعماني! أخذ عيني! لا تحكم ضده، انتظر حتى نرى الخصم الذي خلع عينه؛ هذا لعل أنه خلع له عينيه الاثنتين ضائعتان.

يبقى إذن إذا انتظر [القاضي] لعله يكون الجُرم الذي ارتكبه ذلك المجني عليه في شيء هو أعظم من الجناية التي ارتُكبت عليه، فاحكم بين الناس بالحق. واحدة خطوة، هذه هي حكمة وآتية من أين؟ من معنى الحكمة وهي القضاء.

الحكمة تقتضي الإتقان في العمل وعدم التسرع من أجل المال

إذن لا بد عليك إذن أن تكون دقيقًا.

يبقى إذن لا يقوم بمهنته كما ينبغي ويُسرع فيها من أجل دراهم قليلة؛ هذا ليس بحكيم لأنه يأكل حرامًا، وهذا لم يؤته الله من خيره، بل إنه يفعل شرًا ولا يفعل خيرًا.

لماذا هو ليس بحكيم؟ بعد أن يمضي [في عمله المتسرع] تبقى المسألة ثلاثة أو أربعة أيام تصدر أصواتًا وتفسد، فيكون ذلك ليس بحكيم؛ لأن الحكمة فيها إتقان.

لماذا كان الطبيب يُسمى حكيمًا وأهمية علاج الإنسان كله

ولذلك كانوا قديمًا يسمون الطبيب حكيمًا.

لماذا الطبيب حكيم؟ لأنه كان يعالج الإنسان كله؛ كان يشم عرقه، ويتذوق دمعه — ينزل هكذا الدمع هكذا يأخذه — ويرى هل هو مالح أم ليس مالحًا، ويستنبط منها أشياء، ويسأله عن أهله وعن بيته وعن المشكلات التي يعيش فيها. حكيم إذن.

في مدرسة الطب ليس بحكيم من تذهب إليه للعيون فيعالج لك العين حتى لو أفسد العقل، أو يعالج الأعصاب حتى لو أفسد القلب، أو يعالج جزءًا. لا، هذا ليس بحكيم؛ هذا الحكيم الذي لديه فن العلاج يعالج الإنسان على ما جاء به.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.