سورة البقرة | حـ 298 | آية 249 - 251 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 298 | آية 249 - 251 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشير النص إلى قصة طالوت وجنوده في سورة البقرة، حيث ابتلاهم الله بنهر وأمرهم بعدم الشرب منه إلا غرفة بيد.
  • القليل من الجنود أطاعوا أمر الله والكثير عصوا، وهذا شأن البشرية عبر التاريخ.
  • ينبغي على الإنسان الاستقامة في علاقته مع الله وإقامة الطاعة دون الالتفات لكثرة المخالفين.
  • لا ينبغي أن يكون المرء إمعة يتبع الناس في الخطأ، بل عليه إصلاح نفسه أولاً.
  • عند انتشار المخالفة، على ولي الأمر الصبر وإعادة التربية قبل العقاب.
  • المؤمنون الصادقون قالوا "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"، فالنصر بالهمة لا بكثرة العدد.
  • دعا المؤمنون ربهم بالصبر والثبات والنصر عند مواجهة جالوت وجنوده.
  • قتل داود جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه من أسرار الصناعة علماً نافعاً.
  • لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية ابتلاء طالوت لجنوده بالنهر من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: 249]

وهذه [الآية] تكلمنا عنها في حلقات سابقة.

قلة المؤمنين الصادقين وكثرة العاصين سنة في البشرية عبر التاريخ

﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]

يعني قليل أطاعوا وكثير عصوا، وهذا شأن البشرية على مر التاريخ؛ أن تجد القليل يؤمنون الإيمان الصادق الذي أمر الله به، والكثير يشركون بالله.

وأن تجد القليل من هؤلاء المؤمنين من يلتزم ويستقيم، والكثير لا يلتزم ولا يستقيم. إيمانه [موجود] فإنه ليس كل من ارتكب معصية كفر.

وجوب الاستقامة على الطاعة وعدم الاغترار بكثرة العاصين

والله سبحانه وتعالى بيّن لنا هذه الحقائق، وبيّن لنا أنه ينبغي على الإنسان أن يستقيم في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، وأن يقيم على الطاعة وعلى الإيمان، لا على المعصية ولا على الكفران.

وإن كان كذلك أكثر البشر، قال [تعالى]:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]

وهناك:

﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]

إذ لا يغرنّك كثرة الخبيث.

النهي عن أن يكون المسلم إمعة يتبع الناس في الخير والشر

لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساءوا أسأتُ، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا. يعني لا تظلموا أنفسكم.

ليس مبررًا لك أن تقول: هكذا يفعل الناس وأنا أفعل مثلما يفعل الناس، أبدًا!

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

قال [النبي ﷺ]: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. فإذن ابدأ بنفسك.

الانشغال بعيوب النفس قبل عيوب الآخرين وعدم الحكم على الناس بالفساد

لا تشغل بالك بعيوب الآخرين، كلما جاءتك نفسك أو الشيطان ووسوس لك بأن الناس قد فسدت، وفي الأثر: من قال إن الناس فسدت فهو أفسدهم.

يا أخي، انظر يا أخي إلى حالك أولًا، وهذه نقطة دقيقة جدًّا: أترى القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك؟

رحم الله امرأً شغلته عيوبه عن عيوب الناس.

﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]

موقف ولي الأمر عند شيوع المخالفة وضرورة إعادة التربية قبل العقاب

إذا شاعت المخالفة ماذا يفعل ولي الأمر؟

قال [العلماء]: يبقى يصبر ويحتال [أي يبحث عن الحيلة المناسبة]. طالوت صبر عليهم وسكت.

فهل السكوت عن الفساد إذا انتشر من أجل أن نحقق الإصلاح خطأ؟ قالوا: لا؛ أنت ستعاقب مَن؟ ولا مَن؟ لا تعرف كيف تعاقب الجميع. لا بد أن تعيد التربية مرة أخرى حتى تعرف كيف تعاقب الجميع.

كيف؟ ولذلك [قال تعالى]:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

موقف المؤمنين والعاصين عند مواجهة جالوت وأن النصر بالهمة لا بالعدد

﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: 249]

قالوا جميعهم — يبقى المؤمن منه عاصٍ ومنه غير عاصٍ —:

﴿لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة: 249]

ما إن ملأوا بطونهم من المياه وأعصابهم استرخت، وأحسوا بأنهم يريدون [الراحة] بعد هذا الشبع وهذا الري.

﴿قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249]

يعني أن شدة [الأمر واضحة]، حلقة القضية ليست قضية كَم بل قضية همة، وعلى الهمة يحدث النصر، يحدث النصر وعلى الهمة ينتصر الجيش أو ينهزم.

دعاء المؤمنين عند مواجهة العدو وحكم سؤال الله الصبر قبل البلاء وبعده

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 250]

دعاء وثقة بالله سبحانه وتعالى، وطلب للنصر ولنزول السكينة على القلوب.

والنبي ﷺ نهانا عن أن نسأل الله الصبر إلا إذا نزل البلاء؛ سمع أحدهم يقول: اللهم أنزل عليّ صبرًا، قال ﷺ: سألتَه البلاء.

قال النبي ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا»

إذن نسأل الله الصبر عند نزول البلاء، وأما قبل نزول البلاء نقول له: لا طاقة لنا، ولا تدخلنا في امتحان ولا تجربة ولا اختبار.

هزيمة جالوت وقتل داود له وانتقال الملك إليه بعد طالوت

﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 251]

مع تشديد [على أهمية] هذه الآية المهمة:

﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ [البقرة: 251]

فيبقى طالوت كان ملكًا، وكان من جنوده داود عليه السلام. وداود كان من الذين لم يشربوا من النهر، ومن الذين دعوا ربهم وثبتوا في القتال.

ومنّ الله عليه بأن آتاه الملك بعد ذلك؛ بعد طالوت تولى داود القيادة.

تعليم الله داود علمًا نافعًا مرتبطًا بالله لا مجرد معلومات

﴿وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ [البقرة: 251]

يبقى علّمه أسرار في ماذا؟ أسرار الصناعة التي يسمونها الآن "النوهاو" [Know-How]، سر الصنعة التي أحيانًا يخفونها علينا لكي نشتري منهم المنتجات.

هكذا علّم الله داود؛ ليكون كل علم في القرآن مرتبطًا بالله. فالله عندما علّم داود علّمه ليس مجرد معلومات، بل علّمه علمًا نافعًا.

ولم يعلّمه معلومات [فحسب]؛ لأن المعلومات يمكن أن نستخدمها في الخير ويمكن أن نستخدمها في الشر، ولكنه عندما علّم داود علّمه من لديه علمًا نافعًا.

معنى دفع الله الناس بعضهم ببعض وتخصيص حلقة قادمة لتفسيرها

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251]

انظر كيف: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، تذهب في التفسير فيقول لك: ولولا القتال الذي يحدث بين الناس. لكن الآن لا تقول قتال هذا، بل تقول دفع.

ولذلك نخصص لها الحلقة القادمة [إن شاء الله]، لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.