سورة البقرة | حـ 275 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير الآية الكريمة "فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور فلا جناح عليهما" يحمل معنيين أساسيين.
- •المعنى الأول يشير إلى الانفصال بين الزوجين، حيث أكد الله أهمية التراضي المتبادل والتشاور بينهما.
- •صيغة "تراضٍ" و"تشاور" تدل على المشاركة من الطرفين، فالله لم يلغِ إرادة المرأة بل جعلها شريكة في القرار.
- •مع طول الحياة الزوجية تزداد تعقيدات الانفصال لتشابك الحياة والأولاد والأملاك.
- •يجب التفكير بعقلانية في مصير الأولاد ومراعاة ظروفهم النفسية وحاجاتهم عند الانفصال.
- •استغلال الأطفال والإضرار بهم أو منعهم من رؤية أحد الوالدين هو طغيان وبغي مخالف لأمر الله ورسوله.
- •المعنى الثاني للفصال يتعلق بفطام الطفل عن أمه، وهو قرار يتطلب تشاور الوالدين ورعايتهما لمصلحة الطفل.
- •كلا المعنيين يؤكدان أهمية التشاور والتراضي في رعاية الأسرة.
مقدمة تفسير آية الرضاعة والفصال من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، وفي تلك الآية العظيمة:
﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا﴾ [البقرة: 233]
هذه هي النقطة الأولى: أنهما أرادا. والثانية: أن هذه الإرادة إرادة انفصال. والثالثة: أن ذلك [الانفصال يكون] عن تراضٍ منهما.
معنى التراضي والتشاور بين الطرفين في القرآن الكريم
والتراضي يعني من الطرفين؛ تقاتلا يعني وجود اثنين يقاتلان بعضهما بعضًا، وتفاعلا يعني وجود مادتين تفاعلتا مع بعضهما، وتبادلا يعني أخذ وعطاء. لا بد أن تكون "تفاعلا" هذه من الطرفين، عن تراضٍ متبادل منهما.
الرابعة: والتشاور، أي أنهما يتشاورا معًا في أمرهما. تشاور، أليست على نفس الوزن؟ تشاور تكون من الطرفين.
الله [سبحانه وتعالى] لم يُلغِ المرأة ولم يهملها، بل جعل فيها إرادة وتراضٍ وتشاور؛ لكي نرى ماذا سنفعل في هذه المسألة [مسألة الفصال والانفصال].
صعوبة الانفصال بين الزوجين بعد طول العشرة وتشابك الحياة
وكلما امتد العمر بالإنسان - لأنها [المرأة] متزوجة تعيش معه ثلاثين سنة وأربعين سنة - كلما زاد الاشتباك وصَعُبَ عليهما الانفصال؛ لأنه أصبح بينهم حياة، وبينهم أولاد، وبينهم أملاك، وبينهم حياة يصعب أن ينفصلوا.
لأنه لم تعد القضايا حتى قضايا الحب والود والسكينة والمنفعة والمصلحة، هذه أصبحت حياة نفسها. الحياة نفسها أصبحت متشابكة.
مراعاة مصلحة الأولاد وظروف كل طرف عند الانفصال
فعندما نأتي لنعزل [بين الزوجين]، حسنًا، والأولاد سيعيشون مع من؟ لا بد أن نجد حلًا. المرأة لها ظروف، لها طبيعة، لها أوضاع معينة؛ قد لا تكون قادرة على أن يكون الولد معها، وقد لا تستطيع أن تعيش بدون أولادها.
وقد يكون الأولاد قد كبروا ولا يعيشون مع هؤلاء ولا مع أولئك، وقد يكون بعضهم مع هذا وبعضهم مع ذاك، والأصلح لهم هذا. وقد وقد وقد... نفكر ونرى ونجلس ونتفق مثل البشر العقلاء.
ونتخيل حسنًا، هذه نفسية الولد الفلاني تتعب إذا غاب عن أبيه، والولد الآخر تتعب نفسيته إذا غاب عن أمه.
التحذير من المهاترات واستغلال الأطفال في إيذاء الطرف الآخر
أما المهاترات التي تحدث، هذه فإما أن يذهب [الأب] ليسرق الأولاد أو تسرق [الأم] الأولاد من أحد الطرفين، وإما أن يمنعوا رؤية الأولاد لأبيهم أو أمهم، وإما أن يذهبوا ويخفوهم عند أقاربهم في البلدان، ويستغلوا الأطفال في أذية الطرف الآخر.
هذا لا يرضى عنه الله، ولا يرضى عنه رسوله، ولا يرضى عنه المؤمنون. هذا طغيان وبغي، هذا خروج عن أمر الله وعن أمر رسول الله، وفضيحة. فضيحة لك في نفسك إن فعلت، تقتضي التوبة والرجوع.
خطورة التبرير عند الانحراف عن أمر الله في قضايا الأولاد
أتعلم ماذا يفعل الإنسان عندما يبدأ هكذا؟ يبدأ بالتبرير، كله أصبح تبريرًا لا أكثر: هذه سيئة، لا، هذه ستفسد الأطفال، لا، هو سيئ، هذا سيضيع الأطفال ويدمرهم، لا. وهكذا...
يجب أن ننظر إلى الواقع بإنصاف كما علمنا الله سبحانه وتعالى، بعدل. ما هي الحقيقة؟ عندما قلبي يكون على الولد، عندما قال [الله] إنه يتعلق بالله أولًا قبل حالتي.
ما رأيك أنني سأفتي بشكل صحيح؟ سأقول الصواب في عائلتي وفي حالتي.
شرط التراضي والتشاور في قرار الفصال بين الزوجين
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233]
فإن أرادا انفصالًا عن تراضٍ منهما وتشاور في الأمر، وتشاور يعني في الأمر [أمر الفصال]، فلا جناح عليهما. طيب.
هل للفصال معنى آخر غير انفصال الزوجين وهو الفطام
حملنا هذا [الكلام السابق] على أساس أن الفصال معناه الانفصال ما بين الزوجين. فهل للفصال معنىً آخر؟ يقولون هكذا؟ قالوا: نعم، له معنىً آخر.
كل الكلام الذي ذكرته حسنًا، ها نحن نسير فيه، وهكذا أن الرؤيا تشير إلى أن الرجل والمرأة سينفصلان. حسنًا، ماذا سنفعل؟ وهو إلى آخره، وأخذنا منها أحكامًا.
أليس لها معنى آخر؟ قال إن لها معنى آخر. كيف؟ يرجع إلى ماذا؟ الرجوع إلى الفطام؛ لأن الولد ينفصل عن أمه فطامًا.
المعنى الثاني للفصال وهو فطام الولد بتشاور الأب والأم
فإن أرادا، فالمعنى الثاني أنه فصالًا، يعني الولد سينفصل عن أمه ويُفطم منها، وذلك بإذن الأب والأم أن يتشاوروا في مصلحة الأولاد.
وسنسلك بالآية [الكريمة] رعاية الأب والأم برعاية الأولاد ابتداءً من مثل هذا القرار: هل سيُفطم أم لا؟
الختام والإشارة إلى استكمال الموضوع في لقاء قادم
ثانيًا سننتقل إلى نقطة أخرى، ولذلك هذا يحتاج إلى وقت لا يسعه المتبقي.
ولذلك فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
