سورة البقرة | حـ 280 | آية 234 - 235 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 280 | آية 234 - 235 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يبين النص تفسير آيات من سورة البقرة تتعلق بالمرأة التي توفي عنها زوجها وانتهت من عدتها.
  • الله سبحانه أباح للمرأة بعد انقضاء عدتها (أربعة أشهر وعشرة أيام) أن تتزوج دون حرج.
  • كلمة "خبير" في الآية تدل على علم الله بحاجة الإنسان ونفسه ومشاعره.
  • يجوز للرجل التعريض بخطبة المرأة المتوفى عنها زوجها أثناء عدتها.
  • التعريض يكون بالإشارة والتلميح كأن يذكر صفاته أو حاله دون تصريح بطلب الزواج.
  • الله أخبر أنه يعلم أن الرجال سيفكرون في هؤلاء النساء ويذكرونهن وهذا ليس حراماً.
  • المرأة في فترة العدة تكون في حالة حزن واضطراب، فلا ينبغي زيادة اضطرابها.
  • نهى الله عن المواعدة السرية مع المعتدة، وهذا أمر سيتم شرحه لاحقاً.
  • معرفة الإنسان أن هذه المشاعر ليست حراماً تجعله مطمئناً في عبادته وحياته.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتفسير آية انتهاء عدة المتوفى عنها زوجها من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]

يعني مَن توفي عنها زوجها وانتهت من فترة العدة -أربعة أشهر وعشرة أيام- فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف. طلبت الزواج فتزوجت؛ فلا تعترض عليها أن زوجها قد مات منذ قليل، فالله أعلم بحالهن.

معنى اسم الله الخبير وعلاقته بعلم الله بحاجات الإنسان

﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234]

ربنا خبير يعلم، وأنت لا تعلم.

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

أيضًا خبير؛ إذن فكلمة "خبير" هنا معناها أنه [سبحانه وتعالى] يعلم نفس الإنسان وحاجة الإنسان، وحاجة الرجل وحاجة المرأة، ولا يريد فسادًا في الأرض. وما دام لا يريد فسادًا في الأرض؛ فيجب علينا أن نسمع وأن نطيع.

تفصيل أحكام المرأة المتوفى عنها زوجها والمطلقة أثناء العدة وبعدها

ثم قال [الله سبحانه وتعالى]: المرأة [التي] مات زوجها، وقبل ذلك المرأة [التي] طلقها زوجها، وبهذا الشكل فصّلنا الكلام تفصيلًا: ماذا تفعل هذه المرأة أثناء العدة؟ [بيّن الله أنها] مهيأة لأن تتزوج بعد أن تنتهي العدة.

والله يقول: لا تمنعوها ولا تخلطوا الدنيا [عليها]. يقول [سبحانه وتعالى]:

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235]

قصة رجل كان يحب امرأة قديمًا ثم مات زوجها فاشتعل حبه من جديد

لما المرأة مات زوجها، كان هناك واحد يحبها منذ زمان -أيام الجامعة- ولم يحدث نصيب؛ لأنه كان فقيرًا ليس معه مال، فتزوجت الرجل الغني الذي سار معها وأنجب منها وهكذا.

وبعد مماته [أي مماة زوجها] اشتعل الحب مرة أخرى، فذهب يعزيها. وانتبه أنه ذهب يعزيها وهو لا يقصد تعزيتها، بل يقصد إحياء الحب القديم.

وصف حالة الرجل النفسية بين الحزن والفرح عند وفاة زوج المرأة التي يحبها

لم يستطع النوم في الليل حالما علم أن الرجل [زوجها] مات، قال: لا إله إلا الله، مات! وهو يريد أن يعود الحب القديم، فلم يعد يعرف أيحزن أم يفرح؟ اختلطت عليه المشاعر.

يريد أن يقول: الحمد لله أنه مات، ويريد أن يقول: إن الرجل مات -يعني أيضًا مصيبة-

﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235]

علم الله بما في القلوب وحالة الحيرة والتعلق التي يعيشها المحب

﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: 235]

ستأتي [هذه المرأة] وتخطر على بالك، وعندما تخطر على بالك؛ ربنا خلقك أنك تتكهرب هكذا هو [طبع الإنسان]، وتبقى حائرًا متيمًا.

والحائر المتيم يريد أن يتصل بهذه المرأة كي يتزوجها، ورجل تقي ولا يفعل الحرام ولا تصدر منه العيوب. حسنًا، ولكن الذي في القلب في القلب [لا يملك دفعه]، فيريد أن يذهب ويقول لها: تزوجيني.

النهي عن التصريح بالخطبة أثناء العدة وبيان حال المرأة في تلك الفترة

طيب، قال له [الشرع]: لا تقل هكذا، عيب أن تقول هكذا والرجل قد مات للتو! المرأة خلال الأشهر الأربعة والعشرة أيام هذه في حالة يُرثى لها، في حالة من التوهان، وحالة من الحزن، وحالة غريبة عجيبة؛ فلا تجعلها أكثر اضطرابًا بقلة حيائك هذه.

أمثلة عملية على التعريض بالخطبة دون التصريح كما أمر الله تعالى

قالوا: ماذا نفعل يا رب؟ قال: عرِّض. يعني ماذا يعني [التعريض]؟ اذهب إليها وقل لها: الباقية في حياتِك، حياتَك الباقية يا سيدي. والله إن الإنسان... أنتِ تعني ستبقين وحيدة، والوحدة سيئة، ربنا يكون في عونك. ما أنا وحيد أيضًا!

أنت منتبه؟ لم يقل لها: سأتزوجك أم لا! [بل قال:] ما أنا وحيد أيضًا. أنتِ وحيدة أيضًا، يعني ماذا [يقصد]؟ فالمرأة تبدأ تخرج من حزنها قليلًا.

هو قال ماذا؟ قال لها: هذا أنا وحيد أيضًا. يعني ما هو قصده؟ لا تعرف [على وجه التحديد].

صور أخرى من التعريض بالخطبة كعرض الخدمة وذكر النعم والصفات الحسنة

مرة أخرى يقول لها: أي خدمة، يعني أنا يمكنني أن أعمل، أنا أخدمك يعني وأعمل لك أي شيء لوجه الله. لوجه الله، وجه الله، هذا في النهاية سينتهي بالزواج. حسنًا.

أو يقول لها: هذا أنا، ربنا فتح عليّ وأصبح عندي كذا وكذا، وعملت كذا وأصبحت [كذا]. قال أنه معه -يعني- قدرة، ومعه بيوت ومعه سيارات ومعه أموال، يلمّح إليها.

أو يقول لها: إنه رجل ابن حلال ورجل هادئ، هكذا عمري ما مددت يدي على أحد، عمري ما خنقت أحدًا. ويقعد يقول صفات الرجل المهذب؛ فهي تفهم منه بقى أنه هذا صالح للزواج.

الفرق بين التعريض المباح والتصريح الممنوع في خطبة المعتدة

هذا التعريض، وإنما لا يقل كلمة "تتزوجيني" أبدًا، أم "بعد أن تنتهي العدة نذهب إلى المأذون"؛ هذا الكلام ممنوع.

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 235]

ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء.

حكم التفكير في المرأة المعتدة وبيان أن الخواطر القلبية ليست حرامًا

قال له [السائل]: يا رب، أنا كل يوم أذهب لأنام هكذا لا أعرف كيف أنام، أجلس أفكر فيها دائمًا، هذا حرام؟ قال له: لا، ليس حرامًا.

﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235]

الإنسان عندما يعرف أن هذا ليس حرامًا تجده خاشعًا في صلاته، ولكن عندما يقول أحدهم إن هذا حرام فإنه يضطرب في حياته، ويقول: إذن إذا كان ما أفعله حرامًا فهل سيعذبني ربي أم لا؟ ويضطرب.

فربنا يقول لنا هنا: لا، الحب والخواطر وهكذا ليس حرامًا.

﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: 235]

النهي عن المواعدة سرًا أثناء العدة وإحالة التفصيل للحلقة القادمة

﴿وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235]

وهذا [أي تفسير النهي عن المواعدة سرًّا] نقوله في الحلقة القادمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.