سورة البقرة | حـ 291 | آية 245 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 291 | آية 245 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • حرّم الله الربا بين الناس لمنع الظلم واستقرار الأسعار، لكنه أباح الهدية عند قضاء الدين دون اتفاق مسبق.
  • رسول الله ﷺ قال: "أحسنكم أحسنكم قضاءً"، واقترض إبلاً ورد اثنتين بدلاً من واحدة، فالزيادة كانت هدية تدل على الكرم والحب.
  • يقول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
  • القرض الحسن هو ما كان خالصاً لله دون طمع في جنة أو خوف من نار.
  • الله يضاعف ثواب القرض الحسن أضعافاً كثيرة، فالمضاعفة تتبع قاعدة الضرب (المتوالية الهندسية) وليست الجمع.
  • الصدقة يربيها الله كما يربي أحدنا الجمل الصغير حتى يكبر ويصبح كالجبال.
  • رب كلمة طيبة لا تلقي لها بالاً تدخلك الجنة، فهي قد تؤثر في الناس وتهز ذرات الكون.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح بتلاوة آية القرض الحسن من سورة البقرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

مَعَ كِتَابِ اللهِ وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:

﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـٰعِفَهُ لَهُٓ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245]

حكمة تحريم الربا لحماية الفقراء واستقرار الأسعار بين الناس

حَرَّمَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْنَا الرِّبَا فِيمَا بَيْنَنَا؛ حتى لا نَظلِم ولا نُظلَم، وحتى يستقر القوت على الفقير فيملك إرادته، ويعرف أن يقول لا للظلم والاستبداد.

حرّم الله الربا فيما بيننا حتى تستقر الأسعار وينتفي التظالم بين الناس. لكن أباح الهدية والهبة والعطية تعطيها لأخيك.

حكم إهداء المقترض للدائن هدية من غير اتفاق مسبق عند رد القرض

فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«أحسنكم أحسنكم قضاءً»

فإذا تداينت بدين أو اقترضتُ قرضًا حسنًا بدون مقابل، ليس فيه ربا ولا فائدة ولا عائدة، ثم أردت أن ترده وأعطيت الدائن شيئًا من الهدية من غير اتفاق مسبق، وليس هناك عرف سائد بأننا كلما أرجعنا المال نرسل معه هدية، وأرسلت معه صفيحة عسل؛ يعني كأنك تقول له أنا متشكر، فلا يحدث شيء [أي لا حرج في ذلك].

أحسنكم أحسنكم أداءً، واقترض النبي صلى الله عليه وسلم إبلًا، فلما ردها، ردها اثنتين: واحدة في المقابل وهي سنة [أي ناقة بعمر سنة]، وواحدة أخرى زيادة. فهذه تكون هدية لأنها غير مشروطة، ولأنها تدل على الكرم والعطاء والحب عطاء، فكأنها تدل على الحب.

الفرق بين الهدية الدالة على الحب والربا الدال على الظلم والشح

أما الربا فيدل على الظلم، ويدل على الشح، ويدل على التخاصم والتنازع، ويدل على صفات سيئة في النفس.

فالله سبحانه وتعالى لأنه هو الواسع الكريم، ولأنه هو رب العالمين، ولأنه هو الرزاق، ولأنه ذو القوة المتين، له ملك السماوات والأرض وما بينهما؛ يستهم [يستدعي] النفوس التي يعرف خبيئتها ويقول:

﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245]

متى يكون القرض حسنًا لله وحقيقة الإخلاص في العبادة

ومتى يكون القرض منك حسنًا لله؟ عندما لا يتعلق قلبك بجنة ولا بنار، إنما فعلته لله رب العالمين.

ولذلك قال العابدون: ما عبدناك طمعًا في جنتك ولا خوفًا من نارك، وإنما عبدناك لأنك حقيق للعبادة. أخذوها من هنا، من أين؟ من قوله «حسنًا».

﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245]

متى يكون القرض حسنًا؟ عندما تقرض ولا تريد من ورائه شيئًا. فأنت تصلي لأن الله حقيق أن تصلي له، لا من أجل ثواب، ولا من أجل إسقاط معصية، ولا عذاب، ولا عقاب، ولا ملامة، ولا عتاب، إنما تفعلها لوجه الله خالصًا.

إخلاص النية شرط لقبول القرض الحسن ومضاعفة الأجر من الله

قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]

هكذا هو خالص، يصبح هذا قرضًا حسنًا. فإن رأى الله منك إخلاص النيات جزاك به وردّ قرضك إليك، بالرغم من أنه منه [سبحانه]، ولكنه سماه قرضًا تلطفًا بك ورحمة بك.

وزاد عليه ليس سبعة في المائة ولا خمسة في المائة كما ينص القانون المدني، ولا سبعة ولا خمسة، هذه أضعافٌ كثيرة.

معنى الأضعاف الكثيرة والفرق بين المتوالية العددية والهندسية في المضاعفة

شيءٌ آخر، إذن:

﴿فَيُضَـٰعِفَهُ لَهُٓ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]

حسنًا، أضعافه عرفناها أنني عندما أعطيه عملًا يعطيني أجرين، أعطيه عشرة فيعطيني عشرين. أما «كثيرة» هذه فماذا تعني؟

قال لك ربنا: علمنا الحساب، وعندما علمنا الحساب أصبح هناك طريقتان: طريقة الجمع وطريقة الضرب.

فطريقة الجمع تقول ماذا: اثنان، ثلاثة، عندما تجمع عليها واحدًا فتصبح ماذا: ثلاثة، أربعة، خمسة، وهكذا. أو تقول: اثنان، أربعة، ستة، ثمانية، عندما تجمع على أصل اثنين: ثمانية، عشرة، اثني عشر.

لكن ما رأيك مثلما هم هكذا، سنبدأ بالاثنين، لكن بدلًا من أن نجمع سنضرب. انظر إلى الأضعاف الكثيرة الآن: اثنان، أربعة، طيب هي هي. قال لك فقط امشِ، فقط امشِ، لا تستعجل: ثمانية، ستة عشر، اثنان وثلاثون، أربعة وستون، مائة وثمانية وعشرون، وأنت ماشٍ هكذا.

ما هذا؟ مائتان وستة وخمسون، خمسمائة واثنا عشر، ألف وأربعة وعشرون، الله الله الله!

قاعدة المتوالية الهندسية في مضاعفة الثواب وتربية الصدقة

هذه قاعدة تتسع، لماذا؟ قال لك لأن هذه يسمونها متوالية هندسية، وهذه يسمونها الأولى متوالية عددية؛ هذه بالجمع وتلك بالضرب.

ثم إن الله يضاعف ثوابك وترى الصدقة التي قدمتها، فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«فيربيها ربك لك كما يربي أحدكم فَلُوَّه»

مثلما تُربَّى الجمل الصغير هكذا ويكبر ويسمن، فمن مولود صغير إلى جمل كبير. هكذا الله يربي لك الشيء [الصدقة] وينميها، هذه ستستمر حتى تكبر وتصبح مثل الجبال، وكل ذلك من شيء بسيط قدمته.

أثر الكلمة الطيبة في دخول الجنة والدعاء بمضاعفة الحسنات

يقول لك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ورُبَّ كلمة من رضوان الله لا تلقي لها بالًا تُدخلك في ربض الجنة» [أي في وسط الجنة]

وأنت لم تنتبه أن الكلمة التي قلتها هذه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الإصلاح، أو النصيحة، أثَّرت في الناس إلى أي مدى، وهزت ذرات الكون حتى وصلت القلوب.

اللهم اجعلنا يا ربنا من أولئك الذين تُضاعف لهم الحسنات عندك أضعافًا كثيرة. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.