سورة البقرة | حـ 313 | آية 260 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 313 | آية 260 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه: "رب أرني كيف تحيي الموتى".
  • اليقين في نفس الإنسان مرتبط بحواسه الخمس التي تمثل أساس اليقين.
  • الحس ينقسم إلى ثلاثة أنواع: سطحي يُرى بالعين، وعميق يحتاج لأدوات كالمجهر، ومستنير يصل بالتفكر إلى معرفة الله.
  • سيدنا إبراهيم لم يسأل شكاً في قدرة الله، بل طلباً لليقين الكامل، كما قال: "بلى ولكن ليطمئن قلبي".
  • أقر الله سؤال إبراهيم وأجابه، مما يدل على أن الله فتح أبواب البحث العلمي للإنسان.
  • الباحث العلمي المنطلق من الإيمان أقوى من المنطلق من الشك والحيرة.
  • المؤمن مدعو للبحث العلمي والاستفادة منه في الخير، بدلاً من تركه للحيارى الذين قد يستخدمون القوة العلمية للإفساد في الأرض.
  • الإيمان والبحث العلمي يجب أن يسيرا معاً للوصول إلى المعرفة الحقيقية النافعة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية سؤال إبراهيم عليه السلام ربه عن إحياء الموتى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260]

سيدنا إبراهيم وهو يناجي ربه، وقد علم منه أن بعد هذه الحياة الدنيا وبعد ذلك الموت حياةً أخرى، فيها الحساب، فيها الثواب والعقاب. يريد [إبراهيم عليه السلام] أن يصل إلى مرحلة اليقين.

الحس أساس اليقين وارتباطه بالحواس الخمس عند الإنسان

ولما كان اليقين في نفس الإنسان مرتبطًا بحسه؛ بما يرى وما يسمع وما يشم وما يتذوق وما يلمس، بحواسه الخمس، لما كان أمر اليقين متعلقًا ومرتبطًا بالحس، وكان الحس أساس اليقين، أراد إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يصل إلى مرحلة اليقين.

الحس أساس اليقين، ولكن هذا الحس منه سطحي يراه الإنسان بعينه ويلمسه بحواسه، ومنه ما يحتاج إلى آلة وأداة كالمجهر والتلسكوب والميكروسكوب كي يتوصل إلى حقائق الأشياء ودواخلها ويُسمى بـالعميق، ومنه ما يربط ذلك فيفكر الإنسان بعقله فيصل إلى ربه وهو المستنير. يبقى في [ثلاث مراتب]: سطحي وعميق ومستنير.

الفرق بين من وصل بالحس إلى الله ومن وقف عند الحس فغرق

ولما قالوا إن الحس أساس اليقين، وصلوا بالحس إلى الله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. قرأوا هذا الكون فرأوا الله وراءه، رأوا ربهم بأعينهم هكذا؟ يعني كفاحًا نهارًا جهارًا؟ لا، رأوه في خلقه، في حكيم وبديع صنعه سبحانه وتعالى.

والآخرون وقفوا عند الحس واكتفوا به وتعمقوا فيه، ولم يغادروا ذلك العمق، فغرقوا في بحاره فلم تستنر قلوبهم.

درس إبراهيم عليه السلام في التدرج من الحس إلى الاستدلال على الله

هذا هو الفرق بين [من استنار بالحس ومن غرق فيه]. سيدنا إبراهيم وهو يعلمنا أن اليقين مآله إلى الحس، وأنه لا يجب علينا أن نقف عنده، بل علينا أن نتدرج به إلى الاستدلال على الله والإيمان بالله.

وأنه إذا ما وقفنا عند ظواهر الأمور وعميقها ولم نصل إلى الله به، فليس بعلم وإنما هو وبال على صاحبه.

يقول [الله تعالى]:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: 260]

سأل إبراهيم ربه بإذن الله.

سؤال إبراهيم كان للبحث عن اليقين لا لتأكيد الشك

حسنًا، ويعلمنا الله أن هذا السؤال إنما هو للبحث عن اليقين وليس لتأكيد الشك، وليس للوقوف عند العميق دون الاستنارة.

﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: 260]

يعني آمنت، ولكن ليطمئن قلبي. هذه القضية نحن نفعلها لكي نصل إليك يقينًا، وليس لكي نشك فيك، وليس لكي نحتار. نحن مؤمنون، انتهى الأمر. نريد الآن أن ننتقل إلى اليقين الذي لا يتزعزع.

الفرق بين الإيمان المشكوك فيه والإيمان المتشوف إلى اليقين

لسنا مؤمنين ونحن متشككون، لا. يبقى في الإيمان قد يخالطه شك وريب، وقد يخالطه تشوف إلى المعرفة بيقين.

فأنت أيُّ واحد يا إبراهيم؟ ممن لم يؤمن الإيمان الكامل، أو ممن أراد بهذا السؤال الإيمان الكامل؟ انظر الفرق: كيف أنت؟ على إيمان مشكوك أم إيمان متشوف؟

قال له [إبراهيم عليه السلام]: لا، أنا على إيمان متشوف.

﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: 260]

هذا أنا متشوف إلى اليقين.

إقرار الله لإبراهيم على سؤاله وفتح أبواب البحث العلمي

قال [الله تعالى]: فخذ [أربعة من الطير]. يبقى أقره الله على سؤاله، وعدَّه الله من إبراهيم [سؤالًا] يعني صحيحة. ما هو لو كان كذلك [أي لو كان شكًّا] لكان قال له: اسكت يا إبراهيم، استحِ يا إبراهيم، يا إبراهيم أعرض عن هذا، لا تتكلم في كذلك يا إبراهيم، عيب!

لكن لم يقل [ذلك]، بل أقره وساعده ووضح. إذن فتح لنا أبواب البحث العلمي سبحانه إلى غايتها.

لماذا؟ ولكن ليطمئن قلبي. أنت تبحث أيْ شكًّا؟ لا، إنني أبحث تأكيدًا ويقينًا، إنني مؤمن بالله.

الباحث المؤمن أقوى من الباحث الحائر والفرق بينهما في النتائج

فالباحث العلمي الذي ينطلق من الإيمان أقوى من الباحث العلمي الذي ينطلق من الحيرة والشك؛ فلا يصل إلا إلى الحيرة والشك. البحث العلمي هو البحث العلمي، وإنما من الذي يقوم به؟ واحد حائر سيظل حائرًا، واحد مؤمن سيظل مؤمنًا.

حسنًا، يوجد واحد حائر ويقوم بالبحث العلمي فينال القوة، وواحد مؤمن ولا يقوم بالبحث العلمي، يعني مثل إبراهيم لو لم يسأل. هذا هو الذي أخَّرنا.

حاجة العالم إلى المؤمن الباحث وخطورة ترك البحث العلمي للحيارى

انظروا إذن حاجة العالم إلينا كم هي! لو أنك أيها المؤمن لقد بحثت بحثًا علميًّا لأفدت البشرية؛ لأنه سيكون ذلك البحث المعمِّر المنير.

فهكذا تترك البحث العلمي لغيرك من الحيارى الذين وصلوا إلى قوة، فأصبح الواحد منهم محتارًا وفي يده قوة، يستطيع أن يفسد بها في الأرض، ويخترع لنا أسلحة الدمار الشامل وأسلحة الدمار الكامل، ويدعي أنها عندنا وهي ليست عندنا بل عنده.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.