سورة البقرة | حـ 324 | آية 272 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء" توضح أن الهداية بيد الله وحده.
- •مهمة الداعية البلاغ والبيان فقط، وليس خلق الهداية في قلوب الناس.
- •هذا المفهوم يجعل الداعية لا ينفعل ولا يغضب من المدعو، بل يصبر ويستمر في دعوته بحكمة.
- •لا ينبغي للداعية أن يتأسف أو يعتب إذا لم يستجب المدعو، سواء كان غير مسلم أو مسلماً غير ملتزم.
- •الإنفاق في سبيل الله يعود نفعه على المنفق في الدنيا والآخرة "وما تنفقوا من خير فلأنفسكم".
- •الإنفاق يحرك المجتمع اقتصادياً، فيتداول المال بين الأغنياء والفقراء.
- •عندما يتوقف الإنفاق تكسد الأسواق وتغلق المصانع ويحدث الخراب.
- •يجب أن يكون الإنفاق "ابتغاء وجه الله" حتى لا يكون إسرافاً وفساداً.
- •الإنفاق في الحلال يكفي الإنسان حاجته بقليل، بينما الإنفاق في الحرام لا يشبع.
- •سوء توزيع الثروة في العالم ناتج عن الإسراف وعدم الإنفاق بحكمة.
مفهوم الهداية في القرآن وواجب الداعية إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله، وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 272]
هذه الكلمة في هذه الآية تكفي الدعاة إلى الله؛ ليس لك من الأمر شيء، لا في الدعوة وأنت ما لك، إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء؛ فالهداية ليست بيدك.
وقال الله تعالى أيضًا:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]
يعني تدل وترشد، وليس تخلق الهداية في قلوب الناس. وهذا يخاطب من؟ سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، الذي ارتضاه [الله] رسولًا مصطفى.
دور الداعية في اتباع النبي وأثر الهداية الإلهية على نفسيته
ولكن الدعاة ماذا يفعلون؟ يتبعون النبي ﷺ ويسيرون على نهجه وهداه، ويأتمرون بأمر الله فيه سبحانه وتعالى. فهو [الله] وهو يخاطب النبي ﷺ كأنه يخاطبك:
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ﴾ [البقرة: 272]
لست أنت الذي تهدي؛ اترك الأمر لله.
فما علينا إذن؟ علينا البيان، والله سبحانه وتعالى يتولى ما وراء ذلك. وأنا ما لي أن أدخل نفسي فيما لا شأن لي به؛ أعتقد أن هذا الأمر ليس من شأني.
فماذا يفعل ذلك في الداعية؟ ليس عليك، فما رأيك ألا يجعله ذلك ينفعل على الذي أمامه، ألا يغضب على الذي أمامه أبدًا؟ أمر الله فيه كذلك، خلقه كذلك. ما رأيك ألا يصطدم معه، ما رأيك أن يصبر عليه؟
واجب الداعية البلاغ بحكمة وعدم التأسف على من لم يهتدِ
لماذا [يصبر الداعية]؟ لأنه فعل ما عليه؛ بلّغه بصورة لافتة للنظر، بطريقة هادئة فيها حكمة:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ﴾ [النحل: 125]
وليس عليه أن يتأسف، ولا أن يعتب. المهم أنه لم يؤمن أو لم يهتدِ، سواء كان المخاطب غير مسلم أو كان مسلمًا غير ملتزم.
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ﴾ [البقرة: 272]
فماذا إذن؟
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 272]
هذه حقيقة إيمانية؛ فلا تحاول بعد الآن أن تهدي وأن تتدخل بين البشر وبين الله، فلا تكن حجابًا بين البشر وبين ربهم، ما عليك إلا البلاغ.
الإنفاق في سبيل الله يعود بالنفع على المنفق في الدنيا والآخرة
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272]
هذه حقيقة أخرى، وهي أنك عندما تنفق فإنك لا تنفع بذلك [الله]، لا تنفع الله في شيء بإنفاقكم هذا؛ أنتم تنفعون أنفسكم.
لأن المال سوف يكون متداولًا بينكم جميعًا، ويتحرك من الأغنياء إلى الفقراء كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم، بل إنه يتحرك بين الأغنياء والفقراء؛ ويذهب الفقير يشتري به من الغني السلع والخدمات التي يريد أن ينفق بها على نفسه.
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272]
لأنه يعود إليكم نفع ذلك الإنفاق في الدنيا بتدوير الحراك، وفي الآخرة بالأجر.
أهمية استمرار الحركة الاقتصادية وتحريم الإسراف في الإنفاق
تخيلوا أن الناس لا تستهلك؛ فيموت السوق. البقال لا يبيع، فماذا يحدث عندما لا يبيع البقال؟ المصنع يغلق الذي يشتري منه، فماذا يحدث عندما يغلق المصنع؟ تكسد السلعة التي عند الزارع، والله إن هذا خراب.
إذن فيجب أن تستمر هذه الحركة لأنفسكم في الدنيا والآخرة، لأن الله أمرنا بالإنفاق، وهذا الإنفاق هو الذي يحرك المجتمعات ويحرك الناس ويحرك البشر.
فلا تظنوا أن الإنفاق إسراف، بل هو الأساس أن ننفق ولكن من غير إسراف؛ إنه لا يحب المسرفين.
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 272]
ليس في الآخرة فحسب، بل لأنفسكم أيضًا في الدنيا.
الإنفاق ابتغاء وجه الله ضابط يمنع الإسراف والفساد في الأرض
﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 272]
يجب أن يكون هذا [الإنفاق] من أجل الله، والذي من أجل الله لا يمكن أن يخرج إلى حد الفساد؛ ربنا حرّم الخمر، وحرّم الخنزير، وحرّم المخدرات.
انظر هكذا: الإنسان يكفيه كم في اليوم طعامًا وشرابًا؟ أيعرف أن يأكل أكثر من بطنه أم لا يعرف؟ أما الذين ينفقون في سبيل الحلال، أي مبلغ يكفي طوال عمره؟
يعني تحسب: يكفيك كم طعامًا وشرابًا في اليوم؟ عشرة جنيهات، مائة جنيه؟ إذا كان مائة جنيه يصبح ثلاثة آلاف في الشهر، فيصبح ثلاثين ألفًا في السنة، فيصبح في المائة سنة ثلاثة ملايين. أناس كثيرون لديهم ثلاثة ملايين، ولديهم ثلاثمائة مليون؛ ثلاثة ملايين تكفيك مائة سنة طعامًا وشرابًا، ولكن في الحلال.
الإنفاق في الحرام يُفسد الثروة ويُبيّن سوء توزيعها في العالم
فتعال هكذا إلى الحرام، ما رأيك؟ الثلاثة ملايين لا تكفيك ستة أشهر، ستة أشهر وما لا تكفيهم الثلاثة ملايين.
فيجب إذن أن يكون الإنفاق تحت سقف ابتغاء وجه الله حتى لا يكون إسرافًا وفسادًا في الأرض. تصور أن الثلاثة ملايين تكفيك مائة سنة، وتصور أنها تكفيك ستة أشهر؛ فهذا إسراف، وهذا ما يحدث في العالم: سوء توزيع الثروة ناتج من ذلك ومن أشياء أخرى.
﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 272]
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272]
يعني في الدنيا والآخرة كما تقدم ذكره. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
