سورة البقرة | حـ 334 | آية 278 - 280 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 334 | آية 278 - 280 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • أمر الله تعالى في سورة البقرة المؤمنين بترك ما بقي من الربا فوراً بعد تحريمه دون تكليفهم برد ما أخذوه قبل التحريم.
  • التوبة تمحو ما قبلها والإسلام يجب ما قبله، وهذا باب واسع للعصاة للتوبة من المعاصي دون التحجج بالماضي.
  • من لم يترك الربا بعد التحريم فقد أذن بحرب من الله ورسوله، وهو من أشد الكبائر.
  • الربا مبني على الظلم والتصرف في ملك الغير، ولذلك اختلف العلماء في دخوله في الملك.
  • كل ظلم يؤدي إلى حرام، والظلم ظلمات يوم القيامة، حرمه الله على نفسه.
  • الفرض أولى من النافلة في العبادات، لكن في باب إنظار المعسر هناك استثناء.
  • إبراء المعسر (إسقاط الدين عنه) وهو نافلة، أفضل عند الله من إنظاره (تأجيل الدين) وهو واجب.
  • ينبغي عبادة الله كما يريد لا كما نريد، بالالتزام بأوامره ونواهيه.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية تحريم الربا من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 278]

فأمرنا [الله سبحانه وتعالى] إذا ما حرَّم علينا شيئًا أن نتوقف عنه فورًا.

رحمة الله في عدم المحاسبة على المعاملات السابقة للتحريم

ومن رحمته وواسع فضله أنه لم يكلفنا بالمعاملات السابقة على تاريخ التحريم. كان بإمكانه أن يقول ماذا؟ رُدُّوا الربا الذي أخذتموه خلال الأربعين سنة الماضية.

فماذا بعد ذلك؟ فكيف أردُّه؟ هذا سيخرب بيتي! هذا أنا ثلاثة أرباع أموالي من الربا! لا، فجعل الله التوبة تمحو ما قبلها، فقال الرسول ﷺ:

«إن الإسلام يمحو ما قبله»

فيصبح العصاة لا حجة لهم، فعندما نأتي لنقول لواحد منحرف: اترك الانحراف، فلا حجة له ولا يقول: يا الله، فماذا أفعل فيما مضى؟ تُب يا أخي من الآن؛ لأنك إن مُتَّ الآن ستدخل النار، تُب حالًا.

الأمر بترك الربا فورًا والتوبة دون التحجج بالماضي

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَذَرُوا﴾ [البقرة: 278]

aاتركوا ودعوا عنكم واتركوا ما بقي من الربا والعقود القائمة، توقف فورًا.

﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278]

فلا تتحججوا بالماضي. وهذا باب توبة واسع جدًّا؛ فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها.

الوعيد بالحرب من الله ورسوله لمن لم يترك الربا وكونه من أشد الكبائر

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 279]

آه! فإن لم تفعلوا في المستقبل، غدًا لم يرضَ بعد التحريم أن يترك الحرام:

﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]

فتبقى هذه المسألة التي فيها إذنٌ بحرب من الله ورسوله. هل هي من الكبائر أم من الصغائر؟ من الكبائر قطعًا، هذه من أشد الكبائر.

﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ﴾ [البقرة: 279]

نويتم التوبة، انتهى:

﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]

حكمة تحريم الربا وعلاقته بالظلم والتصرف في ملك الغير

فما هي الحكمة من تحريم الربا؟ التظالم؛ أننا جالسون نظلم بعضنا البعض، ويأكل بعضنا أموال بعض ظلمًا. والظلم هو التصرف في ملك الغير.

ولذلك فالربا لا يدخل في الملك عند الحنفية، كذلك لا يدخل في الملك؛ لأنه عند الجمهور كذلك أنه لا يدخل في الملك. الحنفية هم الذين قالوا يدخل في الملك؛ لأنه فاسد [أي العقد فاسد لا باطل].

الجمهور قالوا: ما معنى باطل؟ فقالوا: باطل يعني لا يدخل في ملك الله [أي لا يُملَك شرعًا]. وبعد ذلك هذه الأموال التي أخذتها يعني لم تدخل في ملكي. وبعد ذلك قالوا: لا، شيء ليس في ملكي هذه مشكلة تسبب مشكلة، هذه تسبب مشكلة تترتب على ذلك، ومن هنا أخذ الجمهور [رأيهم في بطلان عقد الربا].

وجوب التوبة الفورية من الربا وعواقب الحرب من الله في البركة

وهكذا:

﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]

فيبقى إذن هذا كبيرة من الكبائر يجب منها التوبة فورًا دون النظر إلى حسابات الماضي، وهذه لها أوضاع مختلفة لم نتكلم عنها، ولكن تُب الآن.

فإذا لم تفعل فُتحت عليك حرب من الله ورسوله بقلة البركة، وقلة البركة قد تكون في الأموال، وقد تكون في الأنفس، وقد تكون في الأبناء، وقد تكون في الممتلكات.

الظلم ظلمات يوم القيامة وصوره المتعددة من اغتصاب ومماطلة

وأن هذا [تحريم الربا] مبناه التظالم بين الناس، فكل ظلم سيؤدي إلى حرام. فالظلم ظلمات يوم القيامة:

  • اغتصاب الأرض ظلم.
  • القضاء بغير ما أنزل الله ظلم.
  • السرقة وانتزاع الحقوق ظلم.
  • والمماطلة؛ مَطْلُ الغني ظلم.

وهكذا فكل تصرف في ملك الغير هو الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، حرَّمه الله على نفسه.

وجوب إنظار المعسر وانتظاره حتى الميسرة

﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]

يبقى لا بد عليك أن تنتظره [أي المدين المعسر حتى يتيسر حاله].

ويبقى عندنا هنا شيء غريب، ما هو الشيء [الغريب] في الشريعة الإسلامية؟ ما هو؟ قال لك: الفرض أولى دائمًا من النافلة. لمَّا أصلي الظهر أحسن عند الله من أنا أصلي ركعتين سنة.

قاعدة أن الفرض أولى من النافلة ومثال ترك صلاة الظهر للتنفل

لا ينبغي يا إخواني أن أجلس أصلي لله ركعتين تلو ركعتين من أذان الظهر إلى أذان العصر ولم أصلِّ الظهر. لو أن أحدًا فعل ذلك فهو عاصٍ.

يقول لي هذا: أنني جالس أصلي لربي باستمرار، هذا من الظهر إلى العصر وأنا على وتيرة واحدة أصلي ركعتين في ركعتين في ركعتين في ركعتين. قلت له: أحمق! لماذا؟ قلت له: لأنك لم تقل:

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

هو [الله سبحانه وتعالى] قال لك: صلِّ لي أربع فرائض متتالية هكذا، وأنت تتلاعب! أنت تلعب مع الله! اعبد الله كما يريد لا كما تريد، هذه هي الحكاية.

السمع والطاعة لله وأن الفرض أعظم ثوابًا من النافلة

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

حاضر، فأنت لم تعمل حاضر فتبقى آثمًا. فالحكاية ليست بكثرة المجهود، فالفرض أولى من النافلة، وليس هناك ما تتقرب به إلى ربك أفضل من الفرض.

ولو صليت الأربع ركعات [المفروضة] فإن ربنا يعطيك ثوابًا، ولو صليت أربع ركعات بعدهن كذلك سنة فإنك تأخذ ثوابًا أيضًا، ولكن أقل من ثواب الفرض.

حالة استثنائية حيث النافلة أفضل من الواجب وهي إبراء المعسر

لكن لدينا هنا حالة عكس ذلك: المدين مدينٌ لك بعشرة آلاف، جاء وقال لي: أنا واقع في ورطة، لن أستطيع دفع العشرة آلاف. قلت له: حسنًا، ليس ضروريًّا الشهر القادم، فلنجعله الشهر الذي يليه.

إذن أنا أنظرتك [أي أمهلتك]، فلنجعله السنة القادمة. ما هذا الإنظار؟ الإنظار هذا واجب:

﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]

هذا يجب أن أفعل كذلك. فما رأيك إذن أن أقول له: أنا عفوت عنك في العشرة آلاف، هذا واجب أم نافلة؟ هذا نافلة.

إبراء المعسر نافلة أعلى عند الله من إنظاره الواجب وهو استثناء فريد

فما رأيك أن النافلة أحسن من الواجب؟ هذا شيء، هذا شيء غريب إذن، هذا شيء غريب. هذا مستثنى كذلك في [قاعدة أن] الفرض أفضل من تعبُّد عابد، ولكن إلا في هذا [الموضع].

لأن إبراء المعسر وهو نافلة أعلى عند الله. ربنا يفرح به من إنظار المعسر. فالإبراء أولى وأحلى وأعلى من الإنظار.

يبقى لازم أيضًا انشغل الفقهاء شغلوا عقولهم إذن في فهم كلام الله سبحانه وتعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.