سورة البقرة | حـ 347 | آية 286 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 347 | آية 286 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يتضمن النص شرحاً لأركان الإيمان المذكورة في خواتيم سورة البقرة، حيث آمن المسلمون بالله وملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بينهم.
  • هذا الإيمان بجميع الرسل منح الأمة المحمدية ميزة احترام جميع الأديان، وأحقية في القدس، وأباح للمسلم الزواج من غير المسلمة.
  • المؤمنون يقولون "سمعنا وأطعنا" لثقتهم بأن الله يختار لهم الخير، وهذا يمنحهم وضوح الرؤية في الحياة.
  • الإسلام لا يكلف النفس إلا وسعها، ويضع قاعدة "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
  • يوضح النص رحمة الله في مضاعفة الحسنات عشرة أمثالها بينما السيئة بمثلها.
  • يُبرز النص أهمية دعاء "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" و"لا تحملنا ما لا طاقة لنا به".
  • الصلاة ركن أساسي يؤديه المسلمون خمس مرات يومياً بسهولة لأن الله يعينهم عليها.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس وأركان الإيمان في خواتيم سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي خواتيم سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعدد لنا أركان الإيمان:

﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]

عدم التفريق بين الرسل وأحقية المسلمين في القدس

هذا [عدم التفريق بين الرسل] الذي جعل الأمة المحمدية لها الريادة والقيادة؛ أنها لا تنكر أحدًا من رسل الله. وهذا الذي جعل أحقية لأهل الإسلام في القدس؛ أن هذه المدينة التي عظّمتها الأديان كلها هي مدينة يحترمها المسلمون، ولا يمنعون أحدًا من الدخول إليها عبر التاريخ.

إذ لا نفرق بين أحد من رسله، [وهذا المبدأ] جعل المسلم يتزوج بغير المسلمة؛ لأنه يحترم نبيها. والمسلمة لا تتزوج إلا بالمسلم؛ لأنه [أي غير المسلم] لا يؤمن بنبيها، أما نحن فنؤمن بكل الأنبياء.

المؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا تسليمًا لأمر الله

﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285]

ما قالوا سمعنا وعصينا، المؤمنون يقولون سمعنا وأطعنا؛ لأنهم يعرفون أن الخِيَرة فيما اختار الله، وأن الله لا يختار لنا إلا الخير.

وقالوا سمعنا وأطعنا، هذه [مقولة المؤمنين] مهمة: التسليم والرضا والانطلاق. أنا لستُ حائرًا، أنا لا أتساءل من أين جاء هذا الكون؛ لأنني أعرف أن الله خلقه. ولا أتساءل ماذا أفعل في دنياي؛ فأنا معي البرنامج [الشريعة] الذي أعمل به. ولا [أتساءل] متى أموت أين أذهب؛ فأنا أعرف أن هناك آخرة وهناك حسابًا وثوابًا وعقابًا، عارفٌ كل شيء.

مهمة المسلم في الدنيا بين العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس

ولكن ماذا أفعل؟ عمِّر الأرض، بقي [أن] اعبد الله:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

عمِّر الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عمارتها.

تزكية النفس:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

فأنا أعرف ماذا أفعل. إنما الآخر [غير المؤمن] جالسٌ يبحث، يا مسكين، كي يجيب على السؤال الأول [من أين جاء الكون] ولم يُجِب عليه بعد.

ضياع من لا يعرف منهج الحياة وإباحة الفواحش بسبب غياب الهداية

والسؤال الثاني هو أننا [أي غير المؤمنين] لا نعرف ماذا نفعل، ولذلك أباحوا الشذوذ وأباحوا الزنا وأباحوا الفحشاء والمنكر.

لماذا؟ لأنه لا يعرف ماذا يفعل فيُجرِّب [كل شيء دون ضابط].

﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

يدعونه ومؤمنون بأن هناك يومًا آخر سنعود فيه إلى ربنا سبحانه وتعالى. هذه عقيدة وإيمان.

أركان الإسلام وقاعدة لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها

فما شأن التكليف؟ والإسلام هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وأن تؤتي الزكاة، وأن تصوم رمضان، وأن تحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.

فربنا وضع قاعدة حقيقية شرعية:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

إذن الدين يسر لا عسر، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

﴿فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]

رحمة النبي بأمته في الأمر والنهي وسهولة الترك

إذا أمرتكم بأمر، انظروا فقد قال الأب [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «أنا منكم مثل الوالد للولد»

الذي أرسله الله رحمة للعالمين:

قال رسول الله ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن نهي فانتهوا»

لأن النهي سهل: لا تشربوا خمرًا، ما سمعت عنها قط. لا تزنِ، لا أعرف هذا الاسم. لا تقتل، أنا سأذهب لأقتل من لا دخل لي بذلك [أي لا يعقل ذلك].

وهكذا الترك سهل، والفعل قال: ائتِ منه ما استطعت.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

قاعدة الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها من رحمة الله

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

يبقى إذا قدّمت خيرًا فخير، وإن قدّمت شرًّا فشر.

وكيف ضبطها [الله]؟ هذه هي القاعدة: أن الحسنة بعشرة أمثالها وأن السيئة لا تُجزى إلا بمثلها. هذا هو الرحمن الرحيم؛ تقدم له شيئًا يعطيك عشرة، تعمل الذنب وتخالف عليك واحدة فقط.

تأتي يوم القيامة يجعل لك ميزانًا، العشرة هي التي تغلب إن شاء الله، وندخل الجنة.

الفرق بين العقاب والعتاب وطلب رحمة الله لا عدله

هكذا من غير حساب ولا سابقة عقاب أم عتاب؟ ما هو يوجد عقاب ويوجد عتاب. العقاب يكون فيه نار والعياذ بالله وأشياء سيئة لا نريدها، والعتاب لومٌ وتوجيه وتوبيخ.

طيب وأنا ناقص، نحن نريد رحمة الله. أول ما يأتي بك ويوقفك ويقول لك أنت مخطئ، نعم مخطئ، أنا مخطئ.

واحد كاتب يقول: رب لا تعاملني برحمتك، عاملني بعدلك. مُغفَّل! لأنه لا ينتبه لأي أمر إطلاقًا.

من طلب عدل الله خسر لأن نعم الله لا تحصى

بعدلي، طيب خذ: أنا الآن منحتك نعمة البصر ونعمة الكلام ونعمة أن تمسك القلم وتكتب، انتهينا. كل ما قدّمته من خير في الدنيا انتهى هكذا [مقابل هذه النعم فقط].

حاسبني الآن على الباقي: صليت يا أنا؟ أصلّ، حسن. طيب صمت؟ طيب. امتنعت عن المحرمات؟ طيب. صمت؟ طيب.

تركت [نفسك] في غفلة ساهون، في غمرة ساهون، في وضع كهذا ما هو ليس تمامًا. طيب ادخل النار إذ عاملتك بعدلي.

إنما أنا أقول برحمتي ما انتهى، هذا هو النعمة:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18]

دعاء ربنا لا تؤاخذنا ورفع الإصر عن الأمة المحمدية

﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]

وهذه هي الدعوة التي نحن دائمًا ندعو بها: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.

﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: 286]

كان قديمًا الذي يفكر في شيء في عقله يُحاسَب عليه، والحمد لله ربنا رفع عنا ما تجول به الخواطر والهواجس، وإنما يعني لو عزمت وحقدت وحسدت ودبّرت ونفّذت لتأخذ [جزاءها].

إظهار الضعف لله وسجود المسلمين أربعًا وثلاثين مرة يوميًا

﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]

إظهار الضعف [لله تعالى] هو وأصل [الأمر أن] دين الإسلام متين. قال لك: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق.

هل يوجد أحد في العالم يسجد لربنا؟ لا يوجد إلا المسلمون هم الذين يسجدون لربنا. الأديان الأخرى تسجد أي سجدة في عمره هكذا، يعني مرة هكذا يأتي له الجلال هكذا فيأتي يسجد مرة.

إنما سبحان الله نحن نسجد أربعة وثلاثين مرة فرض علينا في سبع عشرة ركعة كل يوم، لا أحد يفعل ذلك [من أتباع الأديان الأخرى].

الصلاة فريضة على جميع المسلمين ذكورًا وإناثًا كبارًا وصغارًا

ولذلك لو كان أحد يؤدي الصلاة [نيابة عن غيره] لتكون على كل المسلمين، كانت لتكون مثلًا على المشايخ وباقي الناس لا، يأتون يوم الجمعة فقط. ولكن لا، هذه على جميع المسلمين.

هناك من يقول جميع المسلمين ذكورًا وإناثًا كبارًا وصغارًا، ما هذا؟

ولذلك هنا ربنا يقول:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]

إذن هذه هي المعونة [من الله]، ولذلك نحن نصلي دون أن نشعر أن هناك أمرًا [ثقيلًا]، خفيفة جدًّا علينا.

استغراب غير المسلمين من الصلاة خمس مرات يوميًا وسر المعونة الإلهية

الناس تستغرب وتقول: ما هذا؟ كيف تفعلون هذا الكلام خمس مرات في اليوم؟ نعم وباستمرار، ليس يومًا في الأسبوع، لا ليس في يوم واحد في الأسبوع. سبحان الله، كيف هذا؟ هذه معجزة؟

قلنا له: إن أصل الأمر أننا ندعو ونقول:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]

قالوا: وماذا بعد ذلك؟ قالوا: ربنا يعيننا، سبحان الله، وتكون علينا أحسن شيء.

ختام الدرس بالدعاء واعف عنا واغفر لنا وارحمنا

﴿وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ﴾ [البقرة: 286]

وهذه [الآية الكريمة] سنأخذها في المرة القادمة، فنختتم بها سورة البقرة إن شاء الله تعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.