سورة آل عمران | حـ 360 | آية 10 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقول الله تعالى في سورة آل عمران: "إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار".
- •الآية تؤكد على مشهد يوم القيامة حين تنقطع الأسباب والحاجات ويبقى الإنسان مع ربه.
- •"لن" في الآية تفيد نفي المستقبل، وقد اختلف النحاة في إفادتها للتأبيد.
- •جمهور النحاة يرون أن "لن" لا تفيد التأبيد قطعاً، وإنما تنفي في المستقبل فقط.
- •انفرد الزمخشري بالقول إن "لن" تفيد التأبيد، متأثراً بمذهبه الاعتزالي.
- •نفي نفع الأموال والأولاد للكافرين قد يكون مؤقتاً، فقد يخفف الله عن الكافر العذاب بسبب صدقاته أو صلاح ذريته.
- •الله سبحانه وتعالى رحيم حتى في شدته مع الكافرين، فهو يبين قبح الكفر وعاقبته مع إبقاء باب الرحمة مفتوحاً.
- •التركيب اللغوي للآية يحمل معنى التهديد والتحذير مع دعوة للتوبة والإنابة.
مقدمة وتلاوة آية سورة آل عمران عن مصير الكافرين يوم القيامة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة آل عمران:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُولَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 10]
هذا تأكيد لمشهد يوم القيامة، حيث انقطعت الأسباب، وانقطعت الحاجات، وانقطعت الاحتياجات، ولم يبقَ الإنسان إلا مع ربه سبحانه وتعالى. موقف الذين كفروا حينئذٍ موقفٌ صعب.
معنى لن في اللغة العربية وموقف النحاة من إفادتها التأبيد
لأن الذين كفروا لن، و"لن" هنا فيها نفيٌ للمستقبل. كل النحاة على أنها لا تفيد تأبيدًا، كل النحاة على أنها لا تفيد تأبيدًا.
ما معنى لا تفيد تأبيدًا؟ أي ليس دائمًا؛ تأبيدًا أي دائمًا.
﴿فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى﴾ [الأعراف: 143]
"لن تراني" هذه لمّا يقول [الله سبحانه وتعالى] له "لن تراني" لسيدنا موسى [عليه السلام]، يعني لن تراني أبدًا في الدنيا والآخرة أم لن تراني في هذا الوقت وهو المستقبل القريب؟ هذا، فقالوا: لا، [المراد] المستقبل القريب.
مخالفة الزمخشري لجمهور النحاة في دلالة لن على التأبيد
إلا الزمخشري جاء؛ لأنه كان معتزليًّا، والمعتزلة يقولون أن الإنسان لا يرى ربه أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة. قال لك: "لن تراني" هنا تأبيد، ومعنى أنه [الله سبحانه وتعالى] قال لموسى [عليه السلام] "لن تراني"، فيبقى لا في الدنيا ولا في الآخرة.
لكن هذا يخالف جميع النحاة، ولذلك يسمّونها في النحو عندما تأتي لتدرس نحوًا هكذا في الأزهر: "لن الزمخشرية". الله، ماذا؟ "لن الزمخشرية" هذه التي هي لن التأبيدية؛ هذه لأن هو فقط الذي ظهر لنا وقال لنا في الأنموذج إنها ماذا؟ إنها للتأبيد، كما في الأنموذج، كتابٌ اسمه "الأنموذج" للزمخشري. فذهبوا يسمّونها "لن الزمخشرية".
التفريق بين لن النحوية ولن الزمخشرية وإمكانية إفادة التأبيد
أما "لن" النحوية التي هم عليها عباد الله جميعهم، [فيقولون] إنها تقتضي نفيًا ولا تقتضي تأبيدًا، وأن نفيها للمستقبل: لغدٍ، لبعد غدٍ، لبعده.
طيب، قالوا: هي تقتضي النفي في المستقبل، ألا يكون ذلك جائزًا أن يكون تأبيدًا؟ هو [الزمخشري] هناك يقول ماذا؟ "لن" هذه للتأبيد وانتهى الأمر. والباقي [من النحاة] يقولون: لا، "لن" للنفي، قد تفيد التأبيد.
يبقى هناك فرقٌ بين أنها لا تفيد التأبيد قطعًا - وهو الذي ينفونه النحاة، ماذا؟ أفادتها للتأبيد [دائمًا] - لكن هي تنفي المستقبل. ليس من الممكن أن يكون المستقبل هذا دائمًا؟ نعم، يمكن أن يكون دائمًا أو بعض المستقبل، يمكن أن يكون بعض المستقبل. إذا دام ممكن وممكن، تبقى "لن" هذه قد تفيد المستقبل [كله].
تطبيق معنى لن على آية سورة آل عمران وضياع الكافرين
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 10]
"لن" هذه قد تفيد المستقبل [كله]، وإذا أفادت المستقبل [كله] يبقى الكافرين ضاعوا تمامًا.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ [آل عمران: 10]
حسنًا، إذن يُستفاد من هذا أن "لن" وهي تفيد نفي المستقبل، قد يكون نفيًا - وليس دائمًا - قد يكون نفيًا مؤبّدًا. وعندما ينفي عنه [الكافر] عدم إغناء أولاده وأمواله له، إذن ماذا سنفعل؟
﴿لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ [آل عمران: 10]
لو كانت مؤبّدة فستبقى دائمًا.
﴿وَأُولَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 10]
هل يمكن أن تنفع الكافر أمواله وأولاده وكيف يكون ذلك
هل يمكن للكافر أن تنفعه أمواله وأولاده؟ انتبه، يمكن أن تنفعه أمواله وأولاده.
كيف؟ أحيانًا هذا الكافر يضع الله سبحانه وتعالى فيه شيئًا من رقّة القلب، وشيئًا من عمارة الأرض، وشيئًا من التردّد [على أبواب الخير]، ويجعل ما ينفقه لوجه المجد علامة خير، فيخفّف عنه العذاب.
وابنه هذا يخرج منه صالحًا؛ فسيدنا إبراهيم [عليه السلام] وُلد في بيتٍ لم يؤمن فيه أبوه، فخرج صالحًا. إذن فرحمة الله دخلت في كل شيء.
جمال الله في جلاله ورحمته بالكافرين حتى في التهديد والوعيد
وجماله [سبحانه] في جلاله، انظر كيف يهدّدنا ويبيّن لنا قبح الكفر، وأنه يذهب [بـ]الإنسان في داهية ومصيبة، وفي الوقت نفسه التركيب اللغوي كأنه يقول له ماذا؟ تعال بسرعة، اخجل وتعال بسرعة.
فمهما كان إلا أن الشدّة التي يعامل الله بها الكافرين [هي] لمصلحتهم ورحمتهم. انظر إلى هذا الجزء، انظر كم أن ربنا رحيم وهو يخاطبهم! صنعته رؤوف بهم، أي يتلطّف معهم هكذا هو.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُولَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 10]
