سورة آل عمران | حـ 364 | آية 14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 364 | آية 14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • زيّن الله للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وهي متاع الحياة الدنيا.
  • لم يحرم الله هذه المتع بل هذّبها ونظّم طريقة التعامل معها، فأباح الزواج وجعله من السنة واحترم الأسرة دون تقديسها.
  • نظّم العلاقة بين الوالدين والأبناء، فأمر الآباء بالإحسان والتربية الحسنة والعدل، وأمر الأبناء بالبر، وقرن ذلك بالتوحيد.
  • لم يحرم الله الغنى لكنه وضع نظاماً للتعامل معه، فحرم الربا والغش وأوجب الزكاة والصدقة والإنفاق.
  • شرع الله نظام المواريث لتفتيت الثروة بدلاً من تكديسها، وهذا أصلح للمجتمع.
  • النظام الإسلامي يهتم بالإنسان والحال والمآل معاً، ويسير مع تيار الكون وفطرته.
  • كل نوع من أنواع الغنى تحدث الله عنه ويحتاج إلى دراسات مستفيضة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

حقيقة تزيين حب الشهوات للناس كما قررها القرآن الكريم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة قد خلق الكون عليها:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ [آل عمران: 14]

حتى صارت هذه الحقيقة عنوانًا على حياة الناس، وأن الناس قد زُيِّن لها حب الشهوات:

﴿مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]

وهذه حقيقة أخرى؛ ومتاع الحياة الدنيا ليس محرمًا في ذاته، وإنما نظّم الله طريقة التعامل معه.

تنظيم الإسلام للعلاقة الزوجية بين الاحترام دون التقديس

فأباح [الله سبحانه وتعالى] الزواج بين الرجل والمرأة، وجعله من سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، واحترم الأسرة دون أن يقدسها.

فهناك بعض الأديان قد قدّست الأسرة بحيث أنه لا طلاق على الإطلاق ولا تعدد بين الزوجات. ولكن في الإسلام هناك طلاق وهناك تعدد؛ ولذلك فالأسرة ليست مقدسة لكنها محترمة.

فهناك افتراق بين القداسة والاحترام؛ [فالقداسة تعني عدم المساس بالشيء مطلقًا، أما الاحترام فيعني التقدير مع مراعاة المصلحة].

تنظيم العلاقة بين الآباء والأبناء وربط بر الوالدين بالتوحيد

نظّم [الإسلام] العلاقة بيننا وبين الأبناء، فأمر الوالدين بالإحسان وبالتسمية الحسنة وحسن التربية للأبناء، حتى أنه أمر بالعدل بينهم حتى في الحنان والتبسم والعطاء.

وأمر الأبناء باحترام الوالدين وببرهما، وجعل بر الوالدين هو التطبيق الحقيقي للتوحيد، فجعله وقرنه دائمًا بالتوحيد:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [الإسراء: 23]

وهكذا، والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أكبر الكبائر والموبقات فيقول:

«الشرك بالله وعقوق الوالدين»

دائمًا يقرن ربنا ورسوله بين التوحيد وهو عقيدة في القلب، وبين بر الوالدين وهو سلوك في العمل.

تنظيم العلاقة مع الوالدين المشركين وحدود الطاعة في الإسلام

فنظّم [الإسلام] العلاقة بيننا وبين الوالدين:

﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15]

هذه [حدود] العلاقة [في جانب العقيدة].

﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]

هذه بقية العلاقة [في جانب المعاملة]؛ يصبح إذن واضحًا الأمر في مدى الحب بين الآباء والأبناء.

وجعل [الله] من أبنائنا فتنة ومن أزواجنا فتنة، وجعل هناك حبًّا للأزواج وللأبناء وهكذا إلى آخره، لكنه أخّره عن حب الله [سبحانه وتعالى].

تهذيب الإسلام للمتعة المالية وتنظيم التعامل مع الغنى والثروة

في كلام طويل إذا ما جلسنا فيه وحللناه، وجدنا أن الله لم يحرم هذه المتعة وإنما هذّبها.

﴿وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: 14]

فلم يحرم ربنا الغنى، لكنه وضع نظامًا للتعامل معه؛ فحرّم الربا والغش والتدليس وأكل أموال الناس بالباطل والرشوة، وأمر بالزكاة والصدقة والإنفاق في سبيل الله.

وجاء بنظام النفقات التي ينفق فيها الرجل على أهله وأسرته وجعلها واجبة عليه، وأتى بنظام المهور يدفعها الرجل للمرأة، تقوم المرأة بتربية هذه الأسرة ورعايتها والعناية بها، ويقوم الرجل بالإنفاق على ذلك كله.

نظام الميراث في الإسلام وتفتيت الثروة بدلًا من تكديسها

وجعل [الله] هناك ميراثًا في نظام دقيق تحدثت عنه سورة النساء، حتى يتم تفتيت الثروة. وتفتيت الثروة أولى من تكديسها؛ ولهذا منهج.

ولحرمة الربا طريق، ولحلّ الربا طريق. ويمكن أن يتمتع الإنسان بتكديس الأموال ويتمتع بالربا، لكنه يمكن أيضًا أن يعمر الأرض بحرمة الربا، وأن يعمر الأرض بتفتيت الثروة.

فاختار الله لنا تحريم الربا وتفتيت الثروة.

المقارنة بين نظام الربا وتكديس الثروة ونظام تحريم الربا وتفتيتها

وهذا لا يعني فشل الأنظمة التي قامت على الربا وتكديس الثروة، ولكن يعني أن المسألة برمتها والنظام بأكمله لا يصلح إلا بهذا [بتحريم الربا وتفتيت الثروة]، لا يصلحه إلا هذا ولا يجوز فيه إلا هذا:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

هذا [النظام القائم على حلّ الربا وتكدّس الثروة] يهتم بالبنيان، وهذا [النظام الإسلامي] يهتم بالإنسان. هذا يهتم بالظاهر وهذا يهتم بالباطن. هذا يهتم بالحال وهذا يهتم بالحال والمآل. هذا يهتم بالشخص، وهذا الآخر الذي نحن فيه [وهو] حرمة الربا ومنع التكدّس يهتم بالقضايا والأفكار.

فيتخلص الإنسان من نفسه ويعلم أن هناك يومًا آخر سنعود فيه إلى الله لنقف بين يديه سبحانه وتعالى.

نظام حلّ الربا يعلم ظاهر الحياة الدنيا لكنه يغفل عن الآخرة

فهناك نظامان؛ بعض الناس يقولون هذا [النظام الربوي] نظام سيُدمَّر، لا أبدًا، هذا نظام موجود أيضًا بحيث يحلّ الربا وأن يكدّس الثروة وسيفعل شيئًا، لكن هذا الشيء في النهاية مختلط الترتيب في أولوياته:

﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]

أنهم يبنون المصانع ويتقوّون بالقوة، وإذا بهذه القوة تدمّر البشرية وتُستعمل في غير مراد الله من خلقه؛ ولذلك فهم يسبحون ضد تيار الكون.

وهؤلاء الذين حرّموا الربا وقسّموا الثروة بالميراث يسيرون مع تيار الكون، ويذكرون الله ويسجدون له كما يذكر الكون ربه ويسجد له.

الخيل المسومة والأنعام والحرث أنواع أخرى من الغنى في القرآن

﴿وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14]

هناك أيضًا غنى من نوع آخر وهو الاتصال بالحيوان، والاتصال بالحيوان غير الاتصال بالغنى [المادي]؛ هذا هو الشيء [المتعلق بـ] الذهب والفضة.

حتى الثقافة تجد الذي عنده خيل هذا أكثر ارتباطًا بالطبيعة التي خلقها الله من أولئك المترفين الذين عندهم أموال لكن ليس عندهم أصول [وارتباط بالأرض]. واضح جدًّا [الفرق بين] الغنى هذا من الغنى هذا.

﴿وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14]

هذا مجال آخر إذن، الذي هو الحرث الذي هو الزراعة. كل نوع من أنواع الغنى تحدث الله عنه ويحتاج إلى دراسات مستفيضة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.