سورة آل عمران | حـ 388 | 32 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •أمر الله المسلمين بطاعة الله ورسوله، وهذه الطاعة تتحقق بعبادة الله كما أراد لا كما يريد العبد.
- •الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو المثال المعصوم الذي يجب اتباعه، إذ قال تعالى: "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي".
- •أشار الإمام مالك إلى أن كل شخص يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- •الطاعة تكون في الفعل والترك والرضا بأمر الله، فالحائض تفطر في رمضان طاعة لله وتؤجر على ذلك.
- •من امتنع عن الفطر مع العجز عن الصيام يكون آثماً مفطراً، كما ذكر الإمام الغزالي.
- •كان الرسول صلى الله عليه وسلم المثال الكامل في جميع أحوال البشر، إذ مر بالفقر والغنى، والحكم والمحكومية، وقاد الجيوش، ورعى الغنم، وعاش حياة أسرية كاملة.
- •تميز النبي صلى الله عليه وسلم بمروره بكل حالات البشر، وهذا لم يكن لأحد من الأنبياء قبله.
افتتاح الدرس والوقوف عند أمر الله تعالى بالطاعة في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]
عرفنا دائمًا أن «قُلْ» نتوقف عندها، ونتخيل أن هناك أمرًا سيصدر من الرب سبحانه، وأننا من العبيد الذين يجب علينا أن نمتثل، وأن ذلك داخل في الطاعة؛ فنبادر ونسارع.
وجوب اتباع النبي المعصوم دون سواه من البشر
فقد أمرنا بالاتباع، والاتباع كان للمثال المعصوم الأجلّ صلى الله عليه وسلم.
سنتبع من؟ كل ابن آدم يُؤخذ من قوله ويُرد، إلا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. والإمام مالك [بن أنس] كان يجلس هكذا [بجوار قبر النبي ﷺ] ويقول: «كل أحد يُؤخذ منه ويُرد، إلا صاحب هذا القبر الشريف».
إذن فلا بد من معصوم؛ إذا ما تتبعنا أفعاله وحركاته وسكناته وأقواله، إذا ما تتبعنا حياته فإننا نأمن، إذا ما قلّدناه واتبعناه وعشناه وسرنا على نهجه صلى الله عليه وسلم وأطعناه.
طاعة الرسول من طاعة الله وبشريته المعصومة بالوحي
ففي طاعته [صلى الله عليه وسلم] طاعة لله، وفي طاعة الله طاعة له؛ هكذا أذن ربنا سبحانه وتعالى.
في مثال ذلك [قوله تعالى]:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]
يأكل ويشرب وينام، يُجرح عندما يدخل الحرب، ينزل دم ويتداوى، تأتيه الحمى. قل إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ، نعم؛ إذن دخلنا في العصمة، معصوم مثال فريد [صلى الله عليه وسلم].
حقيقة الطاعة أن تعبد الله كما أراد لا كما تريد أنت
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]
هذا هو أساس الاتباع: الطاعة. وكيف تكون الطاعة؟ الطاعة تكون بأن تعبد الله كما أراد، لا أن تعبد الله كما تريد. أن تعبد الله كما أراد، لا أن تعبد الله كما تريد؛ هذه هي الطاعة.
أمر ربنا أن نصوم رمضان فنطيع ونصوم، وأمر أيضًا الحائض أن تُفطر رمضان فتطيع وتُفطر. وفِطرها مُثابة عليه؛ تأخذ الأجر من عند الله على الفطر.
ما هذا؟ كيف تأخذ أجرًا من عند الله؟ لأنها طاعة؛ فهذه حقيقة العبادة. فلو أنها صامت بنية وإمساك فقد ارتكبت إثمًا، مثل تمامًا القادر الحاضر [غير المسافر] الذي أفطر.
الطاعة هي الامتثال في الفعل والترك والرضا بأمر الله
قادر حاضر غير مسافر [أفطر في رمضان] وأفطر؛ فيكون إذن عليه إثم أيضًا، لأن هذا عصى وهذه عصت. سبحان الله!
فالطاعة هي الامتثال في الفعل والترك والرضا بأمر الله فينا. يأتي واحد مُسِنّ لا يستطيع أن يصوم، قالوا له: هكذا ستموت، سيأتيك جلطة وقلبك لا يتحمل الصيام. قال: لا أستطيع، أنا أريد أن أصوم.
[هذا الرجل] آثم؛ يجب أن يرضى. ربنا هو الذي أمدّ في عمره، وربنا هو الذي جعله بهذه الهيئة غير قادر، وربنا هو الذي فعل به هكذا.
حكم من امتنع عن الطعام وهو عاجز عن الصيام عند الإمام الغزالي
ثم هو يقول: ثم هو يقول سبحانك، حاضر. تقول لي اصُم فأصوم، تقول لي أفطِر فأُفطر.
وهكذا قال الإمام الغزالي [في كتابه إحياء علوم الدين]: فلو مات بسبب امتناعه عن الطعام في هذه الحالة [وهو عاجز عن الصيام] مات مُفطرًا آثمًا. العلماء الآخرون يقولون: مات آثمًا، والشيخ الإمام أبو حامد الغزالي يقول ماذا؟ مُفطرًا آثمًا.
نعم، لكن هذا لم يأكل، لكن مُفطر! نعم، أفطر وليس صائمًا؛ أي لا يتوصل إلى الله ويتوسل إليه بالمعصية. أنت تمتنع لماذا عن الطعام؟ أنت مُفطر الآن. هذا [الشيطان] يريد أن يقطع عليه الطريق بكل وسيلة.
التولي عن طاعة الله ورسوله وعاقبة ذلك في القرآن الكريم
﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: 32]
عن طاعة الله وعن طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم:
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]
إما يحب شيئًا ما وإما لا يحبه؛ أي يرسم الطريق أنه يحب وأنه لا يحب.
إذا:
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الكامل.
رسول الله المثل الكامل لكل أحوال البشر دون استثناء
ما معنى المثل الكامل؟ أي ما رأيك أنت؛ كما لو كنت ستجد رسول الله ﷺ كان [في مثل حالك]:
- •أنت فقير، رسول الله مرّ بالفقر.
- •غني، رسول الله مرّ بالغنى.
- •حاكم، رسول الله مرّ بالحاكم.
- •محكومًا، رسول الله مرّ بالمحكوم.
- •قائد جيوش، كذلك. عسكريًّا، كذلك. راعي غنم، كذلك.
- •رب أسرة، كذلك. متزوج من واحدة فقط، كذلك.
- •لديك أولاد، كذلك. الأولاد ماتوا، كذلك. الأولاد اتولدوا، كذلك.
- •وكبروا وتزوجوا، وأنجبوا. أنت جدّ، كذلك.
لن تجد حالة من حالات البشر إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مقام، ولم يكن ذلك لأحد من الأنبياء قبله.
والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
