سورة آل عمران | حـ 408 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم محكم من عند الله، والدليل على ذلك ثلاثة أمور: الاعتراف به كوحي إلهي، وخلوه من الاختلاف، وائتلافه مع كل المستويات المعرفية.
- •من دلائل إعجاز القرآن أنه يخاطب جميع الأسقف المعرفية للبشر على اختلافها، فالبدوي والعالم الفلكي كلاهما يفهم آية الشمس بما يناسب علمه.
- •بنى المسلمون الأوائل حضارة عظيمة معتمدين على القرآن، مستفيدين من علوم الأمم الأخرى كاليونان والهند وفارس.
- •المعجزة هي القرآن نفسه وليس المسلمين، وقد يكون بعض المسلمين حجاباً بين الناس وبين كتاب الله.
- •من دقة القرآن في آية علم الساعة (آخر سورة لقمان) أن الله حصر علم الساعة وأوقات الموت والكسب عنده، بينما فتح باب إنزال الغيث وعلم ما في الأرحام.
- •المنهج الصحيح هو الرجوع للنص القرآني الدقيق وليس للفهم البشري المحدود، فالقرآن يفوق كل الأسقف المعرفية.
مقدمة الدرس ومراجعة معنى الحكيم في وصف القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران نقرأ قوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]
وكنا توقفنا عند كلمة «الحكيم» وأنها على وزن فعيل تُطلق على الفاعل والمفعول؛ صيغة فعيل تُطلق على الفاعل والمفعول. وبدأنا بالمفعول بأنه مُحكَم؛ فهو كلام الله، والدليل على ذلك الاعتراف وعدم الاختلاف والائتلاف.
دليل الاعتراف بأن القرآن كلام الله وعدم الاختلاف فيه
وكنا تكلمنا على الاعتراف بأنه لا يمكن أن يتكلم أحدهم ويُثبت أنه من كلام الله إلا إذا كان معترفًا بالوحي وبالأنبياء وبالرسل وبنزول الكتب، وبأن الله سبحانه وتعالى لم يتركنا عبثًا.
ثم أنه بعد ذلك لا يكون هناك اختلاف، كما قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ثم تحدثنا عن الائتلاف وضربنا مثالًا بالأسقف المعرفية المختلفة للبشر.
مثال الأسقف المعرفية في فهم آية جريان الشمس وإعجاز القرآن
في قوله تعالى:
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]
فإن البدوي يراها تتحرك في ظاهر السماء فيظن أن الآية تعنيها [أي تعني حركتها الظاهرية]، والفلكي يعلم أنها تتحرك في الفضاء الفسيح نحو نجم فيجا فيظن أن الآية تعنيها [أي تعني حركتها الحقيقية في المجرة].
وكلما ارتفع واتسع السقف المعرفي كلما وجدنا القرآن وافيًا بما حدث، لا يعارض شيئًا مما يكون. ووالله ليس في طوق بشر أن يتكلم بكلام يصلح لكل الأسقف المعرفية؛ هذه جهة الإعجاز.
الرد على من يستهزئ بالمسلمين بسبب ربط الاكتشافات العلمية بالقرآن
ويخرج علينا من يريد أن يسبّ المسلمين فيقول: يعني أنتم كلما تظهر حاجة في العلم تُسرعون وتقولون سبحان الله واكتفيتم بذلك! نعم، استُهزئ بنا نحن؛ لأننا نحن الذين فعلنا ذلك [أي اكتفينا بالتعجب دون البحث والعمل].
أما آباؤنا وأيضًا القرآن كان مستمرًا حينها ومستمر هنا ومستمر إلى يوم الدين. القرآن لا علاقة له بالخيبة التي نحن فيها؛ آباؤنا هم الذين أدركوا الكون وأسسوا العلوم وبنوا الحضارة، واستفادوا من اليونان ومن الهند ومن فارس وهكذا إلى آخره.
المسلمون الأوائل كالنحلة والمعجز هو الكتاب لا المسلم
وجعلوا [أي آباؤنا المسلمون الأوائل] أنفسهم كالنحلة تأخذ من تلك الأزهار وتُخرج للناس عسلًا فيه شفاء للناس. هكذا كان المسلمون، ونامت الحضارة الإسلامية، ولكن كل حضارة للبشر وعلمهم يستفيد منها المسلم.
فماذا نفعل إذا كان كلام الله هو المعجز؟ وهل قلنا لكم المعجز هو المسلم؟ نحن نقول المعجز هو الكتاب.
ولذلك في بعض الأحيان يكون بعض المسلمين حجابًا بين الكتاب وبين الناس، بين الله وبين الناس. اللهم لا تجعلنا فتنة للقوم الكافرين؛ في بعضنا ربنا كتب عليه أن يكون فتنة للقوم الكافرين، نعوذ بالله من ذلك. وهذا دعاء من أدعية سيدنا إبراهيم وهو يعلمنا الدين.
دقة الأداء القرآني في آية مفاتح الغيب بين الإغلاق والفتح
انظر إلى آية تدل أيضًا على الائتلاف الذي نقول عليه، وترى الدقة المتناهية في نقل الكتاب الكريم على مستوى الأداء الصوتي.
يقول ربنا:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]
انظر إلى السياق: «عنده علم الساعة»، لقد أغلقها تمامًا [أي جعل علم الساعة خاصًّا بالله وحده].
﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34]
وليس «لا يُنزل الغيث إلا هو»؛ «وينزل الغيث» [فتح الباب ولم يُغلقه].
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: 34]
أيضًا الثانية فتحها، فتح البوابة هكذا.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: 34]
أغلقها تمامًا.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]
أغلقها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]
هذه آية في القرآن في آخر سورة لقمان.
فهم الصحابي لآية مفاتح الغيب وروايته بحسب فهمه
تعال عندما يسمع أحد الصحابة سيدنا رسول الله ﷺ يقول هذا الكلام فيروي عنه، يروي عنه ماذا؟ بما فهمه، بما فهمه الصحابي رضي الله تعالى عنه.
فيقول: «مفاتح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله»، لقد أغلقها. أنت هل تدرك؟ لقد أغلقها: «لا يعلمها إلا الله»، انتهى الأمر، أغلقها.
فـ**«عنده علم الساعة»** و**«ينزل الغيث»** و**«يعلم ما في الأرحام»**، ولكن ذهب [الصحابي] في البداية ماذا؟ وضع لك عبارة بحسب فهمه أن هذه الخمسة خاصة بربنا لا يستطيع أحد أن يفعل فيها شيئًا.
تطور العلم وادعاء معرفة الغيب والرجوع إلى دقة النص القرآني
ثم تطور العالم وانتهى الأمر؛ استقر في أذهاننا أن هذه الخمسة ملك الله لا يستطيع أحد أن يصنع منها شيئًا.
وبعد ذلك قالوا: لا، بل نحن نستطيع أن ننزل المطر! ودخل علينا قوم ينظرون إلينا هكذا من أعلى إلى أسفل: أنتم الذين تقولون إن ربكم هو الذي ينزل المطر، ها نحن أيضًا ننزل المطر! أنتم الذين تقولون إن الله يعلم ما في الأرحام، نحن أيضًا أصبح لدينا جهاز الموجات فوق الصوتية ونعلم ما في الأرحام إن كان ذكرًا أم أنثى.
فنرجع إلى الآية فلنجد ليس فيها «خمسة مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله»؛ هذا الكلام كله ليس فيها.
الفرق بين الإغلاق والفتح في آية لقمان وعظمة الدقة القرآنية
الذي فيها ماذا؟
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ﴾ [لقمان: 34]
هل قال أنه لا يوجد [من ينزله] إلا هو؟ الآية لم تقل [ذلك].
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: 34]
قال: أحدٌ يعلم الذي في الأرحام [ولم تنفِ علم غيره].
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ [لقمان: 34]
لقد انتقل إلى النفي.
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ﴾ [لقمان: 34]
لقد انتقل إلى النفي مرة أخرى. الله! سبحان الله!
ونأتي قائلين ماذا؟ سبحان الله مرة أخرى! ويظل القرآن أبدًا فوق كل الأسقف المعرفية. فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وجعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر أستودعكم الله.
