سورة آل عمران | حـ 415 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 415 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يعلمنا الله أدب الحوار وأسس المناظرة في سورة آل عمران بقوله "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم".
  • أمر "قل" موجه لرسول الله ثم للأمة من بعده، فكل مسلم مطالب بالتبليغ.
  • "تعالوا" دعوة للحوار والتلاقي، ويمكن أن يكون في أي مكان.
  • أساس الحوار وجود نقطة مشتركة (سواء) يلتقي عليها الطرفان.
  • المشترك الأول هو "ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً".
  • المشترك الثاني "ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".
  • الحوار يمنع القتال والصراع، فبدون حوار يستمر العداء.
  • النهج الإسلامي حضاري يرفض السباب والفحش والإساءة للآخرين.
  • إذا رفض الآخرون الحوار، يقول المسلمون "اشهدوا بأنا مسلمون" دون مقابلة الإساءة بمثلها.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم كان أرحم الخلق حتى مع مخالفيه.
  • هذا المنهج يعتمد على الصبر والتسامح وسعة الصدر مع ثبات المبادئ.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع أدب الحوار في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله ومع سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلّم المسلمين أدب الحوار وأسس المناظرة.

معنى خطاب "قل" وتوجيهه للنبي ﷺ ثم للأمة من بعده

«قل»، أول ما يقول «قل» يكون كلامًا موجّهًا مباشرة إلى سيدنا رسول الله ﷺ، ثم الأمة من بعده؛ لأن كل واحد من المسلمين ينبغي أن يكون قائمًا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبليغ.

قال [رسول الله ﷺ]: «بلّغوا عنّي ولو آية»

فيبقى يقول لك أنت: «قل» الآن، ولكن تتّبع. وقال «قل» بالأساس لسيد الخلق ﷺ، ثم أنت من ورائه تتّبع.

معنى النداء "يا أهل الكتاب" ودلالة الدعوة فيه

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 64]

يا، ينادي «يا أهل الكتاب»، يكون هذه الدعوة هاهي، يا... يكون فيها دعوة. «يا أهل الكتاب» واحد يشير هكذا: تعالوا، دعوة هي أخرى. يا... تدعو واحدًا، حتى عندما ندعو ربنا نقول: «يا الله».

فـ «يا» تعني ماذا؟ دعاء ونداء. «يا أهل الكتاب تعالوا»، يكون «تعالوا» هذه دعوة أخرى، يكون ندعوهم ثم ندعوهم.

معنى "تعالوا" وإمكانية عقد الحوار عندنا أو عندهم

و «تعالوا» يعني معناه أننا يمكن أن نعقد المؤتمر عندنا، ويمكن أن نذهب إليهم، ولكن هنا «تعال» وهذه تنفع بماذا؟

عندنا واحد يأتي يقول لك: والله أنتم تعقدون مؤتمرات، لماذا للحوار؟ هم هؤلاء ينفع معهم حوار؟ هؤلاء يشتموننا، هؤلاء يعادوننا! ولكن ربنا قال هكذا، طيب أنا أعمل ماذا؟

المسلم إنسان حضاري لا يسبّ ولا يشتم اقتداءً بالنبي ﷺ

ربنا جعلك إنسانًا حضاريًّا، لا تستطيع أن تشتم عيسى ولا أن تشتم موسى؛ عيسى وموسى أنبياؤك، لا تستطيع أن تسيء إلى الخلق. ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سبّابًا ولا لعّانًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا، ولا كان يحبّ ذلك.

ماذا تفعل؟ الله غالب، الله غالب. أتريد أن تشتم وتفعل لأن مثلما يشتمونك؟

﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]

اصبر ووسّع صدرك، الحكاية ليست كذلك، لا، لا يشتّتك الحكاية.

تأشيرة الدخول إلى الحوار هي الكلمة السواء المشتركة

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ﴾ [آل عمران: 64]

هنا «تعالوا»، فما هي تأشيرة الدخول؟ وقادمين أهمّ، عندما تأتي لتترجم الكلام هذا في الواقع ستعطيهم تأشيرة الدخول وتدخلهم: تعال إلى كلمة سواء.

فهو أصل الحوار الاشتراك؛ يجب أن يكون مع الذي تتحاور معه مشتركًا؛ لأنه إذا لم يكن هناك أيّ مشترك بينك وبينه فبماذا ستتحاور؟ ستظلّ طوال النهار تجادله ويجادلك، لماذا؟ سارت مشرّقة وسرت مغرّبًا، شتّان بين مشرّق ومغرّب!

انتفاء الحوار يؤدي إلى القتال والدعوة إلى السلام واجبة

فإذا انتفى الحوار فلا محالة سيكون القتال، قتال على الدوام إن لم يكن هناك حوار. وعندما ندعو إلى السلام ولا يأتينا أحد بخطة رشيدة إلا وقبلناها.

فإذن يجب أن نقول: تعالوا إلى كلمة سواء، و «سواء» تعني مشتركة بيننا وبينكم، نحن وأنتم نقولها، ثم ننطلق من هذا المشترك ونرى كيف نتفاهم فيما بيننا وبينكم.

المشترك الأول هو عبادة الله وحده وعدم الشرك به

سواء بيننا وبينكم، أي ما هو المشترك إذن؟ المشترك ألّا نعبد إلا الله. سنقول لهم: لا نعبد أحدًا غيره. حسنًا، وبعد ذلك إذا عبدتم أحدًا غيره ستكونون تعبدونه وتطيعونه، ونحن نعبد ربنا ونطيعه.

ولذلك يجب أن نفهم أننا نتفق على ألّا نعبد إلا الله فعلًا. خرجت المجامع [المجامع الكنسية]: نعبد إلهًا واحدًا باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعًا.

إقرار أهل الكتاب بأن الإله الذي يعبده المسلمون هو إلههم

حسنًا، فما هو هذا الشرط الذي رضينا به في البداية؟ كان بعضهم غير راضٍ به، ثم رضوا به وقالوا: نعم، الإله الذي يعبده المسلمون هو الإله الذي نعبده.

في سنة خمسة وستين [1965م] قالوا هكذا: النصّ الخاص بهذا: الإله الذي يعبده المسلمون هو الإله، نعم. فماذا؟ أنتم جئتم هنا في الآية التي معنا، يقول لك: باسم الإله الواحد الذي نعبده جميعًا.

حسنًا، فهذه هي الآية أربعة وستون من آل عمران. عندما يأتيني أحد يقول لي هكذا، أقول له: لا، عندما هو يقول ربنا يقول، فهو يقول: حاضر، انتهى.

شرح شروط الكلمة السواء: التوحيد وعدم الشرك

﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]

رقم واحد: ألّا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا. ليس أحد يسمع الكلام «ولا نشرك به شيئًا» حتى يدخل الهواء ويدخل أن تتصوّر تصوّرًا مختلفًا عن الحياة وعن الكون وعن كذا إلى آخره.

معنى لفظ "شيء" عند المعتزلة وأهل السنة والجماعة

وهذا «الشيء» يُطلق ويُراد منه ماذا؟ عند المعتزلة يُطلق ويُراد منه الموجود سواء كان... يُطلق ويُراد منه الممكن سواء كان موجودًا أو معدومًا، هذا عند المعتزلة كذلك.

وعند أهل السنة والجماعة يُطلق ويُراد منه الموجود سواء كان ممكنًا كالإنسان، أو كان واجبًا كربّ العباد. ربنا اسمه شيء، قال: نعم.

﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]

إذن الله هو قال «شيء». هؤلاء أهل السنة مقيّدون بالكتاب والسنة، وفي الكتاب: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

عدم اتخاذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله ومنع ادعاء العصمة

﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]

فلا يبقى أحد يضع قوانين ويضع أحكامًا ويضع كذا ويقول: أنا معصوم وصدّقوه! يجب أن تكون هذه الأشياء أساسًا للمناقشة.

موقف الإسلام عند رفض أهل الكتاب الحوار: الشهادة بالإسلام لا القتال

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا ٱشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]

لم يقل اضربوهم، لم يقل تخاصموا معهم، لم يقل اقتلوهم. ما دام ربنا يقول هكذا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، هكذا يعني نلتقي يوم القيامة.

ولكن عندما قال: لا تضربوهم ولا تفعلوا بهم وهكذا، في المدينة كان [نزول سورة] آل عمران. كان ذلك في المدينة وليس في مكة.

رحمة النبي ﷺ بالخلق حين تقوّى في المدينة وختام الدرس

فلمّا تقوّى رسول الله [ﷺ في المدينة] كان أرحم بالخلق من جميع الخلق صلى الله عليه وسلم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.