سورة آل عمران | حـ 430 | 82-83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" تشير إلى من أعرض عن الحق بعد فهم الكتاب والحكمة التي جاء بها الأنبياء.
- •الفاسقون هم الخارجون عن الخط المستقيم، وأصل كلمة "فسق" مأخوذة من انشقاق قشرة البلحة عندما تنضج.
- •الفسق يحمل معنيين: الخروج عن المنهج القويم، والتعرية التي تعني زوال الوقاية من الضلال.
- •الفاسق هو الذي حاد عن طريق الحق وأصبح معرضاً للضلال بلا وقاية تحميه.
- •قوله تعالى "أفغير دين الله يبتغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها" يبين أن كل المخلوقات مستسلمة لله.
- •بعض المخلوقات تأتي طائعة وبعضها يأتي مقهوراً، كما في قوله تعالى للسماء والأرض "ائتيا طوعا أو كرها".
- •معنى "استوى على العرش" أي استولى عليه استيلاء قهر لبيان عظمته.
- •على المؤمن أن يُسلم وجهه لله طائعاً مختاراً.
مقدمة الدرس وبيان حال الذين لم يؤمنوا بالنبي المصطفى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى عن أولئك الذين لم يؤمنوا بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، على الرغم من وضوح البرهان، وعلى الرغم من سيرته العطرة التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وكانت عنوانًا على الرحمة، وعنوانًا على الحب، وعنوانًا على السلام.
تفسير قوله تعالى فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون
يقول ربنا عن أولئك:
﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82]
يعني الذي يتولى بعد فهم الكتاب الذي أنزله الله في التوراة ثم في الإنجيل، وبعد الحكمة التي علّمها الأنبياء لأتباعهم عبر القرون والعصور؛ في كيفية التفكير المستقيم، في كيفية العدل والإنصاف، في كيفية تهذيب النفس ومعرفة الحقائق.
علّم الأنبياء أتباعهم الحكمة:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
فمن تولى بعد ذلك، أي بعد التدبر في الكتاب وعدم تحريفه عن بعض مواضعه، والتدبر في الحكمة وفي التفكير المستقيم، ثم بعد ذلك تولى، فأولئك هم الفاسقون.
المعنى اللغوي لكلمة الفسق من فسق الرطب وانشقاق القشرة
عندما يكون هناك البلح -التمر الرطب- قومٌ يحدث أن ينضج نصف البلح، وبعد ذلك تنضج البلحة كلها. فلمّا تنضج نصف البلحة تنشق القشرة قليلًا هكذا، ويُقال لك: فسق الرطب.
فسق الرطب أي أن القشرة خرجت. فـالفاسقون أي الخارجون، أي المنفصلون، أي المنشقّون. وهذه كلمة توحي بـمخالفة الحق.
إذن نحن سائرون هكذا [على طريق الحق]، وبعد ذلك بعضنا فسق، أي ماذا؟ أي خرج عن الخط المستقيم. مثل القطار وهو سائر على ماذا؟ على القضبان الخاصة به، فلو خرج عن القضبان يحدث ماذا؟ حادثة مروعة. إذن فسق، إذن الفسق هذا فيه معنى ماذا؟ الخروج.
الفسق يعني الخروج والتعرية من غطاء الحق والوقاية
وعندما الرطبة فسقت يحدث ماذا؟ يحدث أن البلحة تتعرّى عن قشرتها. إذن الفسق فيه تعرية.
أتعرف عندما يكون أحدٌ متغطيًا في الشتاء وبعد ذلك يتعرّى، يحدث ماذا؟ يتعرض للبرد. اللباس ربنا جعله ليقي البرد ويقي الحر أيضًا. فلنفترض أن أحدًا خرج من ثيابه، فتصبح فضيحة ويصبح معرضًا للبرد.
فـالفاسق معرّض للضلال؛ لا توجد وقاية، لا يوجد غطاء. فيصبح إذن فيه معنى الخروج وفيه معنى التعرية.
الفاسقون هم الذين حادوا عن الحق وتعرضوا للضلال المبين
فسق:
﴿فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82]
يعني فأولئك هم الذين حادوا عن طريق الحق، والذين لم يعد بينهم وبين الضلال المبين أي غطاء؛ فهم معرّضون للفحة [لفحة] الضلال، معرّضون لذلك، ليس هناك وقاية.
تفسير قوله تعالى أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: 83]
ما هو [الدين] منحرف وذاهب إلى أين؟ وله [أي ولله]، ما هو يقول:
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: 83]
انظر إلى هذا الجزء، يعني في مخلوقات يأمرها الله أن تأتيه فتأتيه طائعة، وفي مخلوقات يأمرها الله أن تأتيه فلا تطيع فيأتي بها كرهًا. يبقى في ما يأتي طوعًا وفي ما يأتي كرهًا.
السماوات والأرض أتتا طائعتين والعرش خضع لقهر الله واستوائه
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
السماء والأرض قالتا: نحن لسنا أهلًا لهذه الحكاية [أي للعصيان]، على الفور جاءوا: أتينا طائعين.
ولكن العرش هذا شيء عظيم جدًا؛ السماء السابعة كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش. قومٌ [يتساءلون]: ربنا قال ماذا؟
﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]
ما معنى استوى؟ يعني قهر العرش واستولى عليه. قال لك: الله هو [الذي خلق] العرش، يعني [العرش] رفض؟ قال له: لا تنتظر أن يرفض أو لا يرفض، هو الله سبحانه وتعالى استولى عليه استيلاء قهر؛ لبيان عظمته لدى أعظم مخلوق حجمًا.
معنى الاستواء عند الأشاعرة ودليلهم من الشعر العربي
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
الأشاعرة يقولون ماذا؟ أي استولى وليس جلس. لماذا يقولون استولى هكذا؟ من أين يأتون بكلمة استولى؟ يقول لك: لقد استوى بِشرٌ على العراق من غير سيف أو دمٍ مُهراق. فماذا يعني استوى هنا؟ استولى قهرًا.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
إذن في كائنات ربنا ينتظر هكذا إجابتها حتى تأتي طوعًا، وفي مخلوقات ربنا سبحانه وتعالى إظهارًا لقهره يأخذها حتى من غير استجابة.
خاتمة الدرس والدعاء بالإسلام لله طوعًا والتسليم له
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83]
فاللهم أسلمنا وجهنا إليك وأتينا إليك طائعين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
