سورة آل عمران | حـ 416 | 65 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يدعو الله أهل الكتاب للحوار العقلاني في سورة آل عمران، حيث يستفهم عن مجادلتهم في إبراهيم رغم أن التوراة والإنجيل أنزلا بعده.
- •يوضح النص أهمية التعقل والبرهان في الحوار، فمقررات العقل تشمل البديهيات الأولية كأن الواحد زائد واحد يساوي اثنين، وأن السابق سابق واللاحق لاحق.
- •اهتم المسلمون بالمنطق العقلي فاطلعوا على منطق أرسطو، وطوروا المنطق العربي ليتوافق مع الكتاب والسنة.
- •يُبين الله أن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً لأنه سبق ظهور اليهودية والنصرانية، بل كان حنيفاً مسلماً.
- •الإسلام ليس ديناً محمدياً محدثاً، بل هو دين الله للبشرية منذ آدم عليه السلام، وجميع الأنبياء كانوا مسلمين.
- •سمى الله المؤمنين بالمسلمين قبل بعثة محمد، وهذا ما أقر به الحواريون حين قالوا "آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون".
افتتاح الدرس بالدعاء والبدء في تفسير آية من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا وافتح علينا فتوح العارفين بك، وعلّمنا مرادك من كتابك يا أرحم الراحمين.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 65]
هذه دعوة إلى أهل الكتاب مرة ثانية.
دعوة الله إلى الحوار القائم على البرهان والتعقل ومقررات العقل
بعدما وضع لنا الله سبحانه وتعالى معالم الاشتراك بيننا وبين من يحاورنا، لا بد أن ندعو إلى الحوار. يكون في الحوار اشتراك، يعلّمنا صياغة البرهان.
كيف تسير الأدلة؟ تسير بالتعقل. ومقررات العقل ماذا تقول؟ مثلًا: إن واحدًا زائد واحد يساوي اثنين، فلا يصح أن واحدًا زائد واحد يساوي خمسة.
مقررات العقل تقول إن الحسّ معتبر؛ أي أننا الآن في النهار، فلا يأتي أحد ليقول لي: أين نحن؟ فأقول له: في النهار، فيقول لي: لا، نحن في الليل!
أمثلة على مقررات العقل من الحس والبديهيات الأولى
هذا المنبر مصنوع من ماذا؟ من حجر. يقول لي: لا، من خشب! هذا يخالف الحسّ، ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل. الله! فهذا لازم عندنا، هذه مقررات العقل.
مقررات العقل أن السابق سابق وأن اللاحق لاحق، يسمّونها البديهيات الأولى. فليس معقولًا أن يكون أبوك أصغر منك في السن، أو يكون ابنك أكبر منك في السن. العقل يقول هكذا: السابق سابق واللاحق لاحق.
مقررة عقلية: الواسع لا يدخل في الضيق إلا بشرط التغيّر
من مقررات العقل أن الواسع لا يدخل في الضيق إلا إذا اتسع الضيق أو ضاق الواسع.
﴿حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]
الجمل كيف سيدخل في ثقب الإبرة؟ لا يدخل إلا إذا كان هذا الجمل قد جعله الله أصغر من ثقب الإبرة فسيدخل حينئذٍ، أو ربنا وسّع ثقب الإبرة حتى يدخل الجمل.
نعم، حينئذٍ يقول: لا، اذهب اخرج، الباب يتسع للجمل، الباب يتسع للجمل، يعني فعلًا الباب واسع حتى يخرج منه الجمل. لكن الواسع يدخل في الضيق دون أن يتسع الضيق أو يضيق الواسع؟ هذا جنون! [هذه] مقررات العقل.
كيف أخذ المسلمون المنطق من أرسطو وصاغوه بالعربية
فيقول لنا [الله سبحانه وتعالى]: وأنتم تتناقشون فانتبهوا من مقررات العقل. فقام المسلمون وقالوا: حاضر، وذهبوا فقرؤوا فلسفة الهند وتراث فارس وأدبه وشعره واليونان وأساطيرها، فقالوا: ما هذا الكلام الفارغ!
وبعد ذلك وجدوا كتابًا يُسمّى الأورغانون لأرسطو، ووجدوه مقسّمًا إلى عدة أجزاء، وهو جزء منه يُسمّى المنطق. فقالوا: نعم، هذا هو الذي ربنا قال لنا عنه، هاتوا هذا المنطق.
ففتحوا منطق أرسطو فوجدوا أنه يتحدث عن الشرق والغرب، ويأتي بأعمال لا نعرفها، ويأتي بالشعر، ويأتي بأشياء تافهة. فقالوا: ما لنا علاقة بهذا الكلام، هاتوا التصورات والتصديق فأخذوها منه.
تطوير المنطق العربي بإضافة دلالات الألفاظ والموجهات إلى منطق أرسطو
قال [المسلمون]: الله! لكن نحن نتكلم بالعربية وهذا [منطق أرسطو] يوناني. قالوا: حسنًا، سنضيف دلالات الألفاظ: التضمينية والمطابقية والالتزامية، وهي عقلية أم غير عقلية؟ ونضيف الموجهات، ونضيف ونحذف.
هذا هو [ما] ذهبوا يسمّونه المنطق العربي. لماذا؟ لأن هذه مقررات عقل. فنحن لسنا متعصبين ضد أرسطو؛ ما يأتي به أرسطو نأخذه، ولكن نأخذه في ظل المتفق عليه [من الكتاب والسنة].
وبدؤوا يُدخلون هذا المنطق في العلوم كلها وهم يصوغونها وهم مطمئنون. لماذا؟ لأنه يوافق الكتاب والسنة.
شرح أبيات صاحب السلم في شروط دراسة المنطق ومخالطة الكتاب والسنة
ولذلك صاحب السُّلَّم في المنطق يقول ماذا؟ يقول: والقولة الصحيحة الشهيرة، والقولة الشهيرة الصحيحة: جوازه لكامل القريحة، مخالط السنة والكتاب.
ممارس — كما تريد أن تقول — مخالط السنة والكتاب حتى تمتزج بدمه. الشيخ يقول لي: لا، ممارس. نعم، النسخة التي أنت محافظ عليها: ممارس، ما يحدث شيء.
ممارس يعني يفعل ماذا؟ لكي يكون لديه خبرة وملكة. مخالط السنة والكتاب ليهتدي بها إلى الصواب؛ لأن عندنا في الدعاء: اللهم اخلط القرآن بلحمي ودمي، أتدرك؟
فيقول هكذا يكون الذي مخالط السنة والكتاب ليهتدي بها إلى الصواب. هذا عندما يأتي في المنطق إذن يعرف العقل الذي به التعقل.
محاجة أهل الكتاب في إبراهيم وبيان أنه سابق على التوراة والإنجيل
فربنا يقول لنا هكذا:
﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [آل عمران: 65]
﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67]
حسنًا، فكيف سيكون يهوديًّا إذا كان هو سابقٌ للتوراة؟ حسنًا، كيف سيكون نصرانيًّا إذا كان هو سابقٌ على عيسى [عليه السلام]؟
إذن لماذا تحاجّون في إبراهيم؟
﴿وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 65]
وتعلمون أن السابق سابق وأن اللاحق لاحق، ولكن كان حنيفًا مسلمًا.
الإسلام دين جميع الرسل من آدم إلى محمد وليس مختصًّا بمحمد
يقول له الله [سبحانه وتعالى]: طيب، ما هو [إبراهيم] كان قبل الإسلام أيضًا! قال له: ألست منتبهًا أن أصل الإسلام هذا ليس اسمه المحمدية؟ هذا الإسلام هو دين العباد منذ آدم وإلى محمد.
ومحمد ﷺ قد خلّص نفسه وشخصه من الديانة [أي من نسبتها إليه]، فلم يقل: إن هذه محمدية وهذه عيسوية وهذه موسوية. لا، بل قال: ما لي دعوة بذلك، إن هذا إسلام من عند رب العالمين وما أنا إلا مبلّغ.
﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [الحج: 78]
إلى آخر الآيات.
الإسلام دين الرسل جميعًا ودعوة أهل الكتاب إلى الاعتراف بذلك
إذن الإسلام دين الرسل من آدم إلى محمد ﷺ، وليس مختصًّا بمحمد.
ولذلك أيها المسيحي أو اليهودي، قل: إن إبراهيم مسلم، وإن الإسلام أيضًا دين آدم وأيضًا ديننا. أتنتبه؟
وهذا الذي قالوه في الحواريين [أصحاب عيسى عليه السلام]:
﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]
والسلام عليكم ورحمة الله.
