سورة آل عمران | حـ 429 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 429 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية الكريمة ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ تبين أن أمة الإسلام تمتد عبر التاريخ من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
  • القرآن الكريم هو العهد الأخير الذي أنزل على محمد، وليس بدعاً بين الكتب السماوية.
  • النبي محمد لم يأت بشيء جديد مخالف لما سبق، بل أكمل البنيان ولم ينقض ناموس الأنبياء السابقين.
  • شبّه النبي نفسه باللبنة الأخيرة التي تكمل بناءً جميلاً، فقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
  • الأنبياء جميعاً أمروا بالخير ذاته، ورسالتهم واحدة من آدم إلى محمد عليهم السلام.
  • المسلم ملزم بالإيمان بجميع الأنبياء السابقين كعيسى وموسى وإبراهيم، ومن كفر بأحدهم خرج من الإسلام.
  • أخذ الله العهد على كل نبي بأنه من أمة واحدة، وكلهم ينتظرون النبي محمد الذي هو المسيح المنتظر.
  • أخذ الله على الأنبياء إصراً (عهداً) بالإيمان بالنبي محمد ونصرته حين يأتي مصدقاً لما معهم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية ميثاق النبيين من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، وعند قوله تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوٓا أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]

الركن الثاني من الشهادة وعلاقته بأمة الإسلام الممتدة عبر التاريخ

هذا [الميثاق المذكور في الآية] هو الركن الثاني من أركان الشهادة، من أركان الركن الأول من الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن تشهد أن محمدًا رسول الله.

وفي هذه الآية يبين لنا ربنا أن أمة الإسلام وقد أنزل إليها العهد الأخير. هل يوجد شيء اسمه العهد القديم ويوجد شيء اسمه العهد الجديد؟ نعم، نزل القديم على موسى [عليه السلام]، ونزل الجديد على عيسى [عليه السلام]، وأن هذا القرآن هو العهد الأخير الذي نزل على محمد [صلى الله عليه وسلم]، وبه تمت الرسل وتم موكبهم.

إذن يتبين للمسلمين أنهم ينتمون إلى أمة تمتد عبر التاريخ، تبدأ من آدم وتنتهي بخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

النبي ﷺ لم يأتِ بجديد بل جاء مصدقًا لرسالة الأنبياء جميعًا

﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9]

لست بدعًا من الرسل؛ إن بعض الناس يقول لك: ماذا أتى به [نبيكم] جديد؟ يعني لم يأتِ بشيء جديد، لم يأتِ بشيء جديد، وما كان له أن يأتي بجديد. هو جديد يعني بدعة، يعني جديد، يعني أتى بشيء مخالف؟ لا، لم يأتِ بشيء مخالف.

إن ما أتى به سيدنا آدم هو ما أتى به سيدنا نوح، وما أتى به سيدنا نوح هو ما أتى به سيدنا عيسى، وهو ما أتى به سيدنا إبراهيم، وهو ما أتى به سيدنا موسى [عليهم جميعًا الصلاة والسلام].

﴿إِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]

النبي ﷺ جاء ليكمل البنيان لا لينقض الناموس كما بيّن في حديث اللبنة

إذن، ماذا نقول عندما يأتي شخص ويسأل: ما الجديد الذي أتى به نبيكم؟ فنقول له: لم يأتِ بشيء جديد، بل أتى ليكمل البنيان لا لينقض الناموس. الناموس الذي نزل على موسى [عليه السلام]، هو ليس آتيًا ليهدمه ويبني شيئًا آخر، لا.

قال [رسول الله ﷺ]:

«إن مثلي ومثل النبيين من قبلي كمثل بناء يدخله أحدهم فيقول: ما أحسنه! ما أجمله! إلا موضع لبنة تحتاج أن توضع هكذا ليكتمل البناء، لولا هذه اللبنة، فهي فقط التي نقصت، فأنا هذه اللبنة» صلى الله عليه وسلم، «وأنا خاتم المرسلين».

فيكون إذن سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم قد قال]:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

يعني مكارم الأخلاق كانت موجودة ونقصت هذه اللبنة، فجاء [صلى الله عليه وسلم] من أجل أن يتم الناموس لا أن ينقض الناموس.

النبي ﷺ لم يأتِ مخالفًا بل جاء بما أمر به جميع الأنبياء والرسل

﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9]

أي أنني لست المرة الأولى أبدًا، فأنا لم آتِ مخالفًا أبدًا. إذن ما الذي جاء به جديدًا؟ لا، [لم يأتِ بجديد مخالف بل] جلب كل خير، ولكن على فكرة، كل هذا الخير أمر به موسى وعيسى وإبراهيم ونوح وآدم في جماعة من الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

ولذلك في يوم الإسراء والمعراج، ماذا فعل [صلى الله عليه وسلم]؟ [صلّى بالأنبياء إمامًا]، فهو إمام المرسلين. قال له [جبريل عليه السلام]: لعله أخّرك ليقدمك، يعني أتى به آخرًا لكنه كان أولًا.

ميثاق النبيين يعني وحدة الأمة وإيمان المسلم بجميع الأنبياء

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [آل عمران: 81]

كلمة معناها أن أمتنا أمة واحدة عبر التاريخ، ولذلك لا يمكن لمسلم إلا أن يؤمن بعيسى [عليه السلام]، ولو كفر به خرج عن الإسلام. ولا يمكن لمسلم إلا أن يؤمن بموسى [عليه السلام]، لا يستطيع أن يشتم موسى، لا أستطيع ذلك، بل يجب عليّ أن أقول سيدنا [موسى].

لا أستطيع، ولا يمكن لمسلم أن يخرج عن ديانة إبراهيم [عليه السلام]:

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

ويقول له [سبحانه وتعالى]:

﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]

معنى ميثاق النبيين وأن كل نبي أُخذ عليه العهد بانتظار محمد ﷺ

إذن يجب علينا أن نفقه هذا: أن هذه الكلمة

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [آل عمران: 81]

معناها أن الله كلما يرسل نبيًا، كلما يؤكد عليه أنه من أمة واحدة، ويأخذ عليه العهد والميثاق بذلك، من أولهم إلى آخرهم، وكلهم ينتظرون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

الذي هو الماسية. الماسية يعني ماذا؟ الماسية هكذا: الملك المنتظر. فالمسلمون يقولون أنه هو الماسية، وغير المسلمين يقولون لا ليس هو الماسية. هذه هي القصة.

نحن نصدق أنه هو المسيح [المنتظر] الذي تكلم عنه العهد القديم، والذي أشار إليه العهد الجديد، والآخرون يقولون لك: لا، ليس هو المسيح. وسِّع صدرك، قل: طيب، حاضر، لكنه هو الماسية، هو محمد، إنه هو، هو الماسية صلى الله عليه وسلم.

تفسير الآية: الكتاب والحكمة ومجيء الرسول المصدق وميثاق الأنبياء

﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: 81]، لأنني قد آتيتكم الكتاب ففهمتم منه حقائق الكون والحكمة، فعرفتم بها التفكير المستقيم.

﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 81] الذي هو الماسية، مصدِّق لما معكم، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81].

كل الأنبياء قال لهم ربنا:

﴿ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى﴾ [آل عمران: 81]

يعني الإصر: العهد واليمين.

﴿قَالُوٓا أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]

فلما جاءهم [الرسول ﷺ]، سبحانه وتعالى أرسله إليهم، ولكن النبيون كانوا قد ماتوا، وإنما كفر به أتباع الأنبياء [لا الأنبياء أنفسهم].

خاتمة الحلقة والحمد لله على نعمة الإسلام

فإنا لله وإنا إليه راجعون. والحمد لله الذي جعلنا من غير حول ولا قوة منا من المسلمين.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.