سورة آل عمران | حـ 420 | 74 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 420 | 74 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية "يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" تثبت حقيقة إيمانية وكونية أن فضل الله عظيم لا يتناهى.
  • تتجلى عظمة فضل الله في اتساع الكون، فالأرض مجرد جزء صغير، والشمس نجم صغير بين مليارات النجوم في السماء الأولى.
  • السماوات السبع متتالية في العظمة، وكل سماء كحلقة صغيرة في صحراء واسعة بالنسبة للسماء التي تليها.
  • العرش عظيم لكن سيدنا محمد أعظم منه، فهو عرش استواء الرحمانية.
  • فضل الله يظهر في وفرة الموارد، فالمياه على الأرض تكفي البشرية بأضعاف مضاعفة.
  • الهواء متوفر دون حدود للتنفس، والغذاء كالقمح والبن موجود بوفرة.
  • المشكلة ليست في قصور فضل الله بل في تقصير البشر وسوء استغلالهم للموارد.
  • الندرة خرافة، والمشكلة في الكسل والإسراف وسوء التوزيع وعدم العمل بما يرضي الله.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس والوقوف عند آية فضل الله العظيم في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، وقفنا عند قوله تعالى:

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: 74]

إن هذه الآية تثبت حقيقة كونية وإيمانية؛ أن الله ذو الفضل العظيم الذي لا يتناهى.

الحقيقة الإيمانية والكونية في فضل الله الواسع الذي لا يتناهى

هذه حقيقة إيمانية؛ لأننا نؤمن أن الله على كل شيء قدير، ونؤمن أن له الصفات العلا، ونؤمن أنه كامل.

إذن [هي] حقيقة إيمانية، ولكن أيضًا هي حقيقة كونية؛ لأننا نرى فضل الله سبحانه وتعالى وافرًا واسعًا، بحيث أنه يتضاءل أمامه البشر في تاريخهم، وفي قدراتهم، وفي إمكانياتهم، وفي جميع الأمور المادية قبل الأمور المعنوية.

عظمة خلق الأرض وضآلة ملك فرعون أمام اتساع الكون

فنرى أن الله سبحانه وتعالى لما خلق الأرض خلقها باتساع [عظيم]. فرعون لما أحب أن يُظهر عظمته [قال]:

﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: 51]

مصر فقط! طيب، ومصر على الخريطة كم مساحتها؟ قوم يقول لك: مليون كيلومتر مربع. مليون [هذا] لشيء بسيط؛ لأن هناك دولًا أخرى خمسة ملايين [كيلومتر مربع]، والدول الأخرى هذه التي [مساحتها] خمسة ملايين هذه واحدة من مائتي دولة.

فما بالك بالكرة الأرضية هذه كيف يكون شكلها؟

الكرة الأرضية والكواكب والنجوم وضآلتها أمام اتساع السماوات

إذن والكرة الأرضية هذه نهاية ملك الله؟ لا، هذا [ليس نهاية ملكه]، فقد اكتشفوا أحد عشر كوكبًا سيارًا حول الشمس، كل واحد — أغلبها — أكبر من ماذا؟ من الأرض.

الله! إذن والشمس هذه نهاية ملك الله؟ أبدًا، [هي] نجم صغير كهذا يساوي له واحدًا على مليارات مما هو مرصوف في سماء الله الأولى.

فسماء الله الأولى هذه وراءها سماء، أي لا نهاية لملك [الله] الأبد.

تشبيه السماوات السبع بحلقة في فلاة وعجز العقل عن التصور

هذه [السماء الأولى] حلقة في صحراء عظيمة كحلقة في فلاة، حلقة أي قطعة دائرة كهذه — انتبه — حلقة إذن دائرة أي كالكرة الصغيرة هكذا كالبلية في صحراء عظيمة جدًّا، لا ترى بدايتها من نهايتها؛ تنظر هكذا، تنظر هكذا، تنظر هكذا، فتجد صحراء عظيمة وهذه بلية هكذا صغيرة وهي السماء الأولى.

فما بالك بالسماء الثانية؟ فهي بلية أيضًا كحلقة في فلاة بالنسبة للثالثة، والثالثة للرابعة، إلى الخامسة، إلى السادسة، إلى السابعة.

ما هذا؟ لقد عجزت عن التصور، وعندما تأتي لتتصور يتوقف عقلك ويتشنج.

السماوات السبع والعرش ومكانة سيدنا محمد ﷺ فوق كل المخلوقات

هذه الأرض والسماء السابعة هي نهاية ملك الله؟ بل هي حلقة في فلاة بالنسبة للعرش.

والعرش هذا نهاية ملك الله؟ قال: أبدًا، سيدنا محمد ﷺ أعظم منه. اللهم صلِّ على عرش رحمانيتك التي هي سيدنا محمد.

أهل الله يقولون هكذا: اللهم صلِّ وسلِّم على العرش؛ لئلا يظن العرش أنه أعظم مخلوقات الله فيدخله الغرور أو شيء من ذلك، يقول له: لا، هذا يوجد واحد أعظم منك، اسمه من؟ اسمه سيدنا محمد ﷺ.

لأن:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

قهره، وإنما يوجد واحد فقد عُدَّ عرش الرحمانية:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

فهو عرش استواء الرحمانية، ما اسمه هذا؟ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

فضل الله في المياه وكفايتها للبشرية وخرافة الندرة

إذن هذا كون، فلنذهب إلى المياه. فما هي المياه؟ يقول لك: هذا فيه مياه على وجه الأرض، ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مياه، منها عذب ومنها مالح.

والمالح هذا يمكنك أن تنقيه الآن وتجعله عذبًا؛ لأنه كان قديمًا يبخرونه هكذا ويكثفونه وبعد ذلك يخرج عذبًا، أي يمكننا أن نعيش في هذه الأرض ونستعمل المياه.

كم أنتم؟ ستة مليارات، وهؤلاء الستة مليارات كل واحد يستهلك في اليوم شيئًا مقداره نصف متر من المياه للاستحمام والأكل والشرب واللباس وكل شيء. هذا نصف متر من المياه، ما هذا؟ هذا مفرط جدًّا مع الإسراف.

يعني نصف متر في ستة [مليارات] أي ثلاثة مليارات متر، أما الموجود فكم؟ مائة واثنان وثلاثون مليار كيلومتر مكعب — ألف في ألف في ألف — الكيلومتر فيه ألف في ألف في ألف المتر.

إذن الثلاثة أمامها كم؟ مقابلها مائة اثنان وثلاثون ألف ألف ألف مرة. فهل توجد ندرة أم أن هذه الندرة خرافة؟ فآخر شيء قال لك: خرافة الندرة — عنوان كتاب هكذا — المائدة التي خلقها الله خلقها من فضل الله الواسع، أي ذو الفضل العظيم مرئية.

كفاية الهواء للبشر وأسباب نقص الرزق من تقصير الإنسان لا من الله

فهل يوجد هواء يكفي لتنفس البشر؟ نعم. كم عدد البشر؟ ستة مليارات، سبعة مليارات، أما الهواء الموجود لكي يكفي لتنفس البشر فلا حدود له.

فهل يبدو ضيقًا أم واسعًا؟ لا، يبدو واسعًا. إذن لماذا نحن لا نجد القمح؟ سوء استغلال الأرض موجود، والكسل موجود. القمح موجود والبن موجود، وكانوا يرمونه في المحيط بسبب الأسعار الخاصة به، وسوء التوزيع والكسل والإسراف والاستغلال السيء للبشرية.

كل هذا من عندي [الإنسان] أم من عند الله؟ لا، من عندي [من عند الإنسان].

تقصير الإنسان في العمل والعدل والدعاء وفضل الله لمن يشاء

إذن:

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 74]

فيحييهم وفقًا لأوامره، فيرزقهم من فضله العظيم. ما هذا؟ إذن الله سبحانه وتعالى جل جلاله قصَّر معنا؟ لم يقصِّر معنا.

فمن إذن؟ الذي قصَّر [هو نحن] بأنفسنا؛ فلا راضون أن نعمل، ولا راضون أن نعدل، ولا راضون أن نسير بما يرضي الله، ولا راضون أن نعمل شيئًا أبدًا، ولا حتى راضون أن ندعوه [سبحانه وتعالى].

ندعو الله:

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: 74]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله.