سورة آل عمران | حـ 414 | 62 -63 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتضمن قوله تعالى "إن هذا لهو القصص الحق" ستة مؤكدات في ست كلمات: إن، اللام، هو، القصص، الحق، التحديد.
- •هذا التركيب اللغوي غير موجود في كلام البشر، لا في الشعر ولا النثر ولا الخطابة، وهو مختلف حتى عن أسلوب النبي ﷺ في أحاديثه.
- •استخدام هذه المؤكدات المتعددة يدل على تحدٍ لغوي، فالإنسان يستخدم المؤكدات عندما يخشى أن يكذبه المخاطب.
- •كثرة المؤكدات تناسب حال البشر الذين لم يصدقوا القرآن، حيث لم يؤمن سوى ربعهم فقط.
- •الله يؤكد أن هذا هو القصص الحق وأنه لا إله إلا هو، وهذا أسلوب حصر وقصر.
- •رغم كل هذه المؤكدات، فإن تولي الناس وإعراضهم متوقع وهو فساد بحد ذاته.
- •الله عليم بالمفسدين، والعاقبة للمتقين، والذين كفروا سيعذبون في الدنيا والآخرة.
المقدمة وبيان أسلوب التوكيد في آية القصص الحق من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]
هذا أسلوب توكيد؛ لأنه استعمل المؤكدات: "إنَّ" وهو توكيد، و"هذا" توكيد، و"اللام" توكيد، و"هو" توكيد. إذن أكَّد كم مرة؟ اثنتين، ثلاث، أربع مرات.
تفصيل التوكيدات الست في خمس كلمات من الآية الكريمة
أربع مرات [من التوكيد] قبل أن يقول لنا على ماذا سيؤكد؟ "إنَّ" و"هذا" و"لا" [أي اللام] و"هو"، لم يقل "إنَّ هذا هو" فحسب، بل أربع مرات. وبعد ذلك ذهب إليه القصص، لم يقل "قصص" بل قال "الـ"، و"الـ" هذه تفيد التحديد والتوكيد، التحديد والتوكيد توكيد، أي التأكيد، أي يصبح فأصبحنا خمسة [توكيدات].
وبعد ذلك لم يقل "القصص" هذا هو القصص أم لا؟ أي ولكن قال "الحق"، أي الثابت، فأصبحنا ستة. ست تأكيدات في كم كلمة؟ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، في خمس كلمات. وُجِدَت هذه اللام كلمة وحدها، فيصبح ست تأكيدات في ست كلمات.
تفرد هذا التركيب القرآني عن كلام البشر وكلام النبي ﷺ
والله ما [هذا] بكلام البشر، وليس هذه عبارات العرب المعتادة.
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]
هذا لم يكن هذا التركيب هذا كذلك غير موجود، لا في الشعر ولا في النثر ولا في الخطابة ولا في شيء.
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]
هذا كلام حتى النبي ﷺ لم يقله، النبي ﷺ لم يقل كذلك. النبي ﷺ يقول:
«ما هي الثلاث التي من كانت فيه وجد حلاوة الإيمان؟»
هذا تركيب آخر [مختلف عن أسلوب القرآن].
الفرق بين نغمة كلام النبي ﷺ في الحديث ونغمة القرآن الكريم
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
وقال ﷺ: «أحسن الأشياء الخلق الحسن»
وقال ﷺ: «وأنت تعامل الناس بخلق حسن»
ما هذا؟ هذه النغمة غير هذه النغمة [نغمة القرآن الكريم]. كلام سيدنا رسول الله ﷺ، اقرأ البخاري، هذا كلامه من أول البخاري إلى آخره، سبعة آلاف وخمسمائة عبارة هكذا هو بالتطويل وما إلى ذلك، وفيها صفحة وفيها سطر، اقرأ.
وبعد ذلك اقرأ:
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]
هذا كلام آخر من الله [سبحانه وتعالى]. وبعد ذلك يقول لك أصل هذا ليس من عند ربنا، ليس من عند ربنا! كيف؟! نحن سنقعد نضحك على بعضنا البعض؟! ستة توكيدات في خمس كلمات.
دلالة التوكيدات الست على التحدي ومخاطبة المنكرين الذين لا يصدقون
وهذا يفيد بماذا؟ يفيد بأن هذا تحدٍّ. ما أنك عندما يكون أمامك شخص يعرف ما تعرفه فماذا يفعل؟ تتكلم بشكل عادي هكذا، تعطيه الخبر، تقول له: أنا ذهبت أمس إلى المكان الفلاني، لن يكذبك.
عندما يكون صافي الذهن وخائفًا من أن لا يصدقك، تقول له: لقد ذهبت أمس في المكان الفلاني. ولكن عندما تخاف أن ينكر عليك تقول له: والله لقد ذهبت أمس في المكان الفلاني كي يصدقك.
فعندما يأتي بعبارة فيها ستة تأكيدات يكون ذلك أنه يكلم شخصًا غبيًا. إذن هو يكلم شخصًا غبيًا.
مناسبة التأكيد الشديد لحال البشر الذين لم يصدقوا إلا قليلًا منهم
فما دام البشر غير راضين أن يصدقوا، فمن الذي صدق من البشر؟ الربع فقط، ربع فحسب، والباقي لم يصدقوا. فناسبهم مع هذه الحالة أن يكون ذلك التأكيد هو التأكيد الذي يصف ما يصف هذا الكتاب [القرآن الكريم].
وهي المشكلة في ذلك أنهم غير راضين أن يدخلوا الكتاب مدخل المهتدين المؤمنين الموقنين المتقين الذين يطلبون الهداية، فيقول لهم:
﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]
أسلوب الحصر والقصر في توحيد الألوهية وأنه لا إله إلا الله
ومن الذي يقسم ومن الذي يؤكد؟ الله [سبحانه وتعالى].
﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]
ما إلا هم [أي ما هناك إله إلا الله]، هذا يسمونه أسلوب الحصر والقصر، حصر قصر، يعني ما يوجد إله إلا ربنا وانتهوا من هذا الحديث. لا الزعماء ولا العلماء ولا الأنبياء ولا لا أعرف الجمهور ولا [أحد]، ما يوجد أحد إله إلا الله.
هذا هو العهد الذي بيننا وبينهم [بين المؤمنين والكافرين]، قالوا هكذا كان بها، ما لم يقولوا هكذا هم أحرار، يعني ماذا أحرار؟ يعني [سيتحملون عاقبة اختيارهم].
تأجيل الصدام مع المنكرين إلى يوم القيامة وحسبنا الله ونعم الوكيل
﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 62]
أتصدق أم تضحك على نفسك حتى يأتي يوم القيامة وترى الحقيقة؟ في كل آية من آيات القرآن يُرحَّل الصدام بيننا وبين الآخرين إلى يوم الدين.
يعني ماذا؟ يعني حسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله. يعني ماذا؟ يعني أنت تقول وتصدع بالحق في الدنيا، ليس لك شأن بأحد، صدام لا يوجد صدام [في الدنيا].
إذن أين الصدام؟ إذن في الآخرة، يوم نرجع فيه إلى ربنا فينبئنا بما كنا فيه نختلف.
مرجع الجن والإنس إلى الله وعاقبة التولي والإفساد في الدنيا والآخرة
﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ﴾ [الزمر: 7]
أم مرجع من؟ مرجع الجن والإنس إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا كان هذا المرجع هو يوم القيامة:
﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: 63]
وليس هناك فائدة بعد كل هذا التأكيد وبعد كل هذا التحديد وبعد كل هذا القصر والحصر، ليس هناك فائدة.
﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: 63]
فهذا وارد أنهم سيتولون، وارد أن يتولوا. والتولي هذا في حد ذاته فساد، حذرنا الله منهم.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: 63]
والمفسد هذا ما له في الدنيا وما له في الآخرة، حتى لو تمكن في الدنيا:
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 56]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
