سورة آل عمران | حـ 411 | 59-61 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية الكريمة "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" مبيناً أن خلق آدم أعظم من خلق عيسى.
- •آدم خُلق بلا أب ولا أم ولا سلسلة بشرية، بينما عيسى خُلق من غير أب فقط.
- •كلمة "ثم" في الآية تفيد الترتيب مع التأني، وتدل على أن الله يفعل ما يشاء في خلقه.
- •خلق آدم تم على أطوار، والله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
- •بعد تقديم البرهان العقلي، ينتقل النص إلى دائرة الإيمان والتجربة الروحية.
- •في سياق محاججة النصارى، يذكر المباهلة في قوله تعالى "فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم".
- •الابتهال ليس علماً موضوعياً بل متعلق بالنيات والأحوال.
- •مهمة الرسول البلاغ فقط، وليس التوكيل على الناس أو إجبارهم.
مقدمة تفسير آية مثل عيسى عند الله كمثل آدم في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: 59]
يلفتنا [الله تعالى في هذه الآية] إلى القدرة الإلهية، وأن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون.
خلق آدم عليه السلام أعظم من خلق عيسى لأنه بلا أب ولا أم
ويقول لنا [الله سبحانه وتعالى] إن هناك أعظم من خلق سيدنا عيسى وأنتم تصدقون به؛ هذا الأعظم وهو خلق آدم، حيث أنه لم يكن له أب ولم تكن له أم، بل كان أيضًا من غير سلسلة البشر؛ لا في رحم احتواه، ولا في إنسان ولده.
إنما هو خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. و**«ثم»** هنا للترتيب مع التراخي؛ يعني عندما شَكّلَهُ من التراب والماء والطين وطوره في أطواره، جاء بعد ذلك الأمر بالكينونة فكان.
دلالة ثم على أن الله يفعل ما يشاء في خلقه بأشكال متعددة
وهذا يدل على ماذا؟ «ثم» هذه تدل على أن الله يفعل ما يشاء؛ يؤخر، يقدم، يطور، يخلق فجأة، يخلق بالتدريج، يخلق من غير أب، يخلق من غير أب وأم، يخلق بسلسلة.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: 8]
أي أن سلالتنا [نحن بني آدم] هكذا في ماء مهين، سلسلة هكذا؛ يخلق هنا، يخلق شيئًا، يغير هذا، يغير هذا.
دلالة ثم على أن خلق آدم تم في أطوار وأن الله لا يُسأل عما يفعل
«ثم» [في الآية] أي ليس أنه [سبحانه] يفعل ما يشاء فحسب، فـ**«ثم»** هنا جاءت لأمرين:
- الأمر الأول: أن خلق آدم تم في أطوار.
- الأمر الثاني: أنه [سبحانه] لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
نعم والله، «ثم»، فلماذا لم تكن الفاء [بدل ثم]؟ الله لا يُسأل؛ أنت لماذا أخرت؟ ولا لماذا طورت؟ ولا لماذا خلقت هذا هكذا؟ ولا لماذا خلقت الدنيا في ستة أيام؟ كن فيكون، هو قادر لكنه يفعل ما يشاء لحكمة يراها، يُعلم بها خلقه.
تفسير آية فمن حاجك فيه والعلم في لغة القرآن يعني اليقين لا الظن
﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]
لا تجادل بعد ذلك هكذا. «العلم» في لغة القرآن [يُطلق] على اليقين، لا يُطلق على الظن؛ والنص ظن والربع ظن، لا!
﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: 61]
بعد البرهان العقلي والدليل العقلي لا يوجد كلام [يُقال بعده].
الانتقال من دائرة العقل إلى دائرة الإيمان والتجربة الروحية في المحاجة
ننتقل الآن إلى دائرة الإيمان؛ لأننا تكلمنا بالعقل لم ينفع، تكلمنا بالبرهان لم ينفع، سننتقل إلى التجربة الروحية.
لأن بعضهم يقول لك: ماذا يقول لك؟ ما أنا لا أملك دليلًا عقليًا، أنا أملك تجربة روحية. يقولون هكذا: أنتم تناقشوننا هكذا بالأدلة كأن يعني مسطرة واحد اثنان؟
نقول لهم: نعم، لأن هذا هو العلم هكذا منضبط. قال: لا يعني هذه تجربة روحية؟ قلنا لهم: حسنًا، تجربة روحية. قالوا: نعم يعني خارج نطاق العقل؟ نعم، خارج نطاق العقل، العقل المحض لا يقدر أن يثبت هذه العقائد، لا يستطيع.
معنى تعالوا ندع أبناءنا في الانتقال من دائرة العقل إلى دائرة التجربة الروحية
قلنا له: نعم، إذن انتقلنا من دائرة العقل إلى دائرة الإيمان والتجربة الروحية. قالوا: نعم، هي كذلك مضبوط.
فقل تعالوا إلى ماذا؟ «تعالوا» هذه تعني هيا يا أولاد تعالوا؛ يعني سننتقل من دائرة إلى دائرة. فإذا كنا قد وفينا دائرة العقل فهيا بنا إلى دائرة التجربة الروحية.
﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]
أبناؤنا هؤلاء الأولاد، هذا الطفل [يشير الشيخ لطفل يحضر المجلس] هذا ليس ابني حقيقيًا ولكن من أبنائنا أيضًا، ما اسمك؟ عبد الله، اسمه عبد الله.
براءة الأطفال من النزاعات ومعنى ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم
حسنًا:
﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا﴾ [آل عمران: 61]
أبناؤنا ليس [الطفل] واعيًا بالنزاعات والصراعات والفلسفات والعقليات؛ هذا بريء هكذا بريء. ولذلك أطفال نقيهم أيام الحرب، لا علاقة لهم بالنزاعات التي بين الكبار.
﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]
أبناءنا وأبناءكم على حد سواء من نظر الله إليهم.
﴿وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]
يبقى إذا أنا أقدم كذلك أهلي؛ من أحب، أنا أحب أبنائي وأحب الأهل الذين لي فليأتوا، فهؤلاء الأحباء.
الابتهال تجربة روحية خارج نطاق العلم الموضوعي متعلقة بالنيات والأحوال
﴿وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]
لن نبتعد أيضًا، فلنبقَ معًا لكي يهدينا الله، ثم نبتهل وندعو الله. فقد خرج [النقاش] من دائرة العقل إلى دائرة الإيمان والابتهال.
الابتهال ليس موضوعيًا؛ هذا ليس علمًا موضوعيًا، هذا علم متعلق بالنيات وبالأحوال. نعم، إنهم يقولون له: هذه تجربة روحية. قال لهم: حسنًا، انتهى الأمر، تعالوا في التجربة الروحية.
أنا عبد ربنا، أنا ما علاقتي؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يقول هذا:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
﴿وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: 107]
﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107]
المباهلة ودعوة النبي لجعل لعنة الله على الكاذبين ورفض القوم لها
هل نحن وكلاء على الناس؟
قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]
ما رأيكم؟ قالوا له: لا يا محمد [أي رفضوا المباهلة].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
