سورة آل عمران | حـ 419 | 72-73 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •نعى الله على طائفة من أهل الكتاب إظهارهم خلاف ما يبطنون، فالمنهج العلمي الصحيح يقتضي توخي الحق والاستمرار عليه بشفافية.
- •الشفافية الإيمانية تعني عدم إخفاء شيء من العقائد، وليس المقصود بها المجاهرة بالمعاصي التي نهى عنها الإسلام.
- •حذر الله من محاولة إرجاع الناس عن الإسلام، فهو ليس موضة عابرة بل هداية ورحمة للعالمين ملأت الأرض نورًا.
- •نفى الله فكرة الاختصاص العرقي والفكري، فلا فرق بين عربي وأعجمي ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى.
- •جعل الله تشريف هذه الأمة تكليفًا، فكونها "خير أمة" و"أمة وسطًا" يعني وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •القيادة والريادة واجبة على المسلمين على سبيل التكليف قبل أن تكون تشريفًا، فإن تخلوا عنها فقد عصوا الله.
- •الواجب امتثال سنة النبي صلى الله عليه وسلم شكرًا لله على إكرامه ونصره.
افتتاح الدرس بالدعاء وتلاوة آية من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا للإسلام، وافتح علينا فتوح العارفين بك.
مع كتاب الله ومع سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُوا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]
المنهج العلمي الصحيح يقتضي توخي الحق والشفافية في طلبه
يبقى من المنهج العلمي الصحيح أن نتوخى الحق وأن نسير عليه؛ نتوخى الحق، نطلبه، ونستمر عليه. لأن الله نعى على أهل الكتاب، أو هذه الطائفة منهم، أنهم يُظهرون ما لا يُبطنون، وهذا ضعف المنهج العلمي.
وطلب الحق فيه شفافية؛ لا يصح أن نُخفي شيئًا، ليس لدينا أسرار. لا نُخفي كتبًا، ولا نُخفي عقائد، ولا نتكلم في الغرف المغلقة ما لا نتكلم به في الإذاعات المبثوثة. ليس لدينا ظاهر وباطن؛ الذي بداخلنا هو خارجنا. أمرنا ربنا بهذه الشفافية الإيمانية الطاهرة.
التفريق بين شفافية الإيمان الطاهرة وشفافية المجاهرة بالمعصية
لكن أصبحت كلمة "شفافية" لها معنى آخر، وهو أن تُجاهر بالمعصية؛ كل واحد يُجاهر بمعصيته لكي يكون شفافًا! هذه شفافية نتنة؛ لأن الله أمر بالستر، وبأنك إذا سترك الله في ذنب فعلته بالليل فلا تُجاهر به في النهار.
يغفر الله للجميع إلا للمجاهرين، فقالوا: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال:
قال رسول الله ﷺ: «رجلٌ يفعل الذنب بالليل يستره الله، فيقوم يقول: فعلتُ كذا وكذا»
فلماذا تقرؤون كلمة شفافية؟ انتبهوا! ما هي شفافية الفجور والعهر، وإنما هذه شفافية الطُّهر، وهو أنه ليس لدينا سرٌّ نُخفيه ولا نتلاعب به. وإن هذا [التلاعب والإخفاء] ضد المنهج العلمي السليم؛ التلاعب والكثافة، وإنما لدينا الحق بلطف، في لطف، هكذا.
تفسير مكيدة طائفة من أهل الكتاب بالإيمان أول النهار والكفر آخره
﴿ءَامِنُوا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]
الصباح، ويقولون: ما نحن مؤمنون معكم، أو انتهوا حتى لا تُشوِّشوا على عقولنا. آخر النهار، ولعلهم يرجعون. وآخر النهار تظلوا تكفرون في السر، هكذا حتى يرجعوا [المسلمون] من الضلال الذي هم فيه [بزعمهم].
ظن أهل الكتاب أن الإسلام موضة ستنتهي فكذبهم التاريخ
هذا إذا كانت هناك طائفة رأت أن هذا الذي يرونه [وهو] الدين الجديد، دين الإسلام، إنها موضة، إنها حركة، إنها سوف تنتهي. لكنها لم تنتهِ، بل ملأت الأرض نورًا! لكنها لم تنتهِ لأنها ليست موضة، ولا رأيًا، ولا فكرًا. هذه هداية، هذه رحمة الله للعالمين، ملأت الأرض نورًا.
ولذلك انظر إلى هذا الشعور:
﴿وَٱكْفُرُوٓا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72]
يعني حتى تنتهي هذه الضجة ونتخلص منها. طيب، ما لم تكن ضجة! هذا ليس لافتًا للنظر؟ ظن المعاصرون [من أهل الكتاب] شيئًا فكذَّبهم الله في واقع التاريخ، وأصبح الإسلام شيئًا آخر. ألا يلفت ذلك نظرهم؟
الهدى هدى الله وليس بيد أحد والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء
﴿وَلَا تُؤْمِنُوٓا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 73]
إنك لا تهدي من أحببت، لا فائدة، أنت ما لك إلا البلاغ فقط، لست عليهم بمسيطر.
﴿أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 73]
تصميم على الاختصاص: أن نحن فقط، نحن فقط! هذه [العقلية] سواء كانت عرقية عطَّلت اليهود عن الإيمان، سواء كانت فكرية عطَّلت النصارى عن الإيمان. فيقول لنا [الله تعالى]: لا تتمسكوا بفكرة الاختصاص هذه، اتركوا الأمر هذا بيد الله وليس بأيديكم أنتم عرقًا أو فكرًا.
رفع الإسلام للعنصرية العرقية والفكرية والمساواة بين الناس بالتقوى
أما عرقًا فقد نفاها الله بأنه ساوى بين الأعجمي والعربي، وبين الأبيض والأسود:
قال رسول الله ﷺ: «لا فرق بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى»
﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
فرفع [الإسلام] قضية العنصرية العرقية والعنصرية الفكرية، وجعل تشريفنا تكليفًا؛ جعل التشريف الخاص بنا أنه كلَّفنا.
تشريف الأمة الإسلامية بالخيرية والوسطية تكليف لا مجرد تشريف
قوم قد قال لنا [الله تعالى] فماذا نفعل؟
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]
ما هذا؟ هذا يُكلِّفنا. أليس "كنتم خير أمة أخرجت للناس" و"فضَّلناكم على العالمين"؟ انتهى، هذا يُكلِّفنا. جعل تشريفنا تكليفنا.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
كلَّفنا بالشهادة [على الناس].
آية الجهاد والاجتباء وتكليف الأمة بإقامة الصلاة والزكاة والاعتصام بالله
﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]
هذا كلَّفنا، أي جعل تشريفنا تكليفنا.
وجوب القيادة والريادة على الأمة الإسلامية تكليفاً قبل أن تكون تشريفاً
انتبه! من معنى هذا أنه لم يجعلنا خير أمة وأمة وسطًا فحسب، بل هذا تكليف علينا. هذا يعني أنه يجب أن نكون كذلك؛ فإن لم نكن، وتركنا الوسطية وقمة الجبل، وتركنا الخيرية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد عصينا الله. هكذا نكون قد عصيناه.
إذن يجب علينا أن نكون في القيادة. هذه القيادة والريادة على سبيل التكليف قبل أن تكون على سبيل التشريف؛ لأنه شرَّفنا فعلًا، وأكرمنا فعلًا، ونصرنا فعلًا. فيجب علينا أن نكون من عباد الله الشاكرين بأن نمتثل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
