سورة آل عمران | حـ 397 | 40-42 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن قصة زكريا عليه السلام في القرآن الكريم وحواره مع الله عندما قال: "رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر".
- •دعاء زكريا كان للتعبد والاستئناس بالحضرة الإلهية، وليس مجرد استفهام.
- •الأنبياء يطيلون الخطاب مع الله تعالى التماساً للأنس بالحضرة القدسية، كما فعل موسى عليه السلام حين سُئل عن عصاه.
- •استجاب الله لزكريا وأخبره أن آيته هي ألا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً.
- •اختلف المفسرون في طبيعة هذه العلامة: هل هي تكليف أم علامة مطمئنة؟
- •من المعجزات أن زكريا كان يستطيع ذكر الله والتسبيح بلسانه، لكنه لا يستطيع الكلام مع الناس.
- •هذه الآية تؤكد قدرة الله تعالى على فعل ما يشاء رغم انتفاء الأسباب الطبيعية.
- •أمره الله بذكره كثيراً والتسبيح بالعشي والإبكار رغم عدم قدرته على الكلام مع الناس.
مقدمة الدرس وبداية الحديث عن دعاء زكريا في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في حوار بين زكرياء عليه السلام وهو يدعو ربه، بعد أن تلقى البشرى بيحيى:
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40]
فتبقى الأسباب متأخرة، تأخرت الأسباب.
دعاء زكريا كان دعاء التفات وتعبد لا دعاء استعجال للإجابة
وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل من أن دعاءه [دعاء زكريا عليه السلام] كان دعاء التفات وتعبد؛ فإن استجاب الله له فبها ونعمت، رب لك الحمد، وإن أخّرها [الإجابة] إلى يوم القيامة فبها ونعمت؛ فله الأجر والثواب، أو له تنفيذ ذلك في الجنة.
وعلى كل حال فالدعاء عبادة. هو [زكريا عليه السلام] يسأل ربه، فلماذا وأنت تعرف هذه الحكاية تدعو من الأساس؟ كما قلنا: تعبدًا وطلبًا للثواب وإظهارًا للعبودية.
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40]
إطالة الأنبياء في الخطاب مع الله استئناسًا بالحضرة القدسية
قال بعض المفسرين: هذا شأن الأنبياء في خطابهم مع الله أنهم يطيلون الخطاب استئناسًا بالحضرة القدسية.
وانتبه، سيدنا موسى [عليه السلام] يقول [الله] له:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 17]
يقول له [الجواب]: عصاي، وانتهى. [لكنه أطال فـ] قال:
﴿هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾ [طه: 18]
أهذا كلام؟ يقول لك: ما الذي في يمينك هذه؟ فتقول: عصاي، ولكن تظل تتحدث هكذا! قالوا: طلبًا للأنس؛ لأنه أنت تكلّم ربنا، وهذا شيء آخر.
زكريا عليه السلام أطال الكلام مع ربه طلبًا للأنس وشرح الصدر
قالوا أيضًا إن سيدنا زكريا [عليه السلام] هكذا هو فرح، وهو الذي دعا ربه طلبًا للأنس. يقول ماذا؟ قال:
﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40]
أنت تطوّل الكلام، ما أنت تعرف الكلام هذا قبل أن تدعو، تقوله الآن لماذا؟ طلبًا للأنس؛ لأن الأنس هذا يشرح الصدر ويفتح النفس والعقل، هذا كلام مع رب العالمين وينير.
رد الله على زكريا بأنه يفعل ما يشاء وطلب زكريا آية
قال [الله تعالى]:
﴿كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 40]
وهذه حقيقة يجهلها النبي زكريا [عليه السلام]؟ هذا معروف، إنما المكرر أحلى، مثل سيدنا إبراهيم [عليه السلام] في سورة البقرة، وطول الكلام للاستئناس.
قال [زكريا عليه السلام]:
﴿رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً﴾ [آل عمران: 41]
وهو مازال يكلّمه [أي يكلّم ربه]. قال [الله تعالى]:
﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ [آل عمران: 41]
كل هذا نازل على قلب زكريا، شيء آخر؛ فهو غير راغب في الانتهاء [من مناجاة ربه].
هل عدم كلام زكريا للناس تكليف بالصوم أم علامة إلهية
وعندما قال له [الله] هذا طمأن قلبه، وفعل زكريا هذا، سيدنا زكريا عمل هكذا.
قال بعضهم: قال [الله تعالى]:
﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41]
هو هذا تكليف أم علامة؟ لو تكليف معناه الصوم وعدم الكلام، كما فعل [الله] مع السيدة مريم وقال لها عندما تلقين أحدًا قولي له إنني صائمة لن أتكلم، سيأتي هنا الكلام وسيأتي في سورة مريم.
أم هذا علامة؟ الذي ورد في الأمم السابقة أنها كانت علامة، بمعنى أن زكريا [عليه السلام] عندما خرج على الناس لم يستطع الكلام، فأشار لهم؛ لمّا يأتي ليتكلم لا يقدر، فعلم إذن أن هذه علامة لتطمئنه. اجعل لي آية، حسنًا ها هي الآية.
كيفية تعطل لسان زكريا عن كلام الناس مع قدرته على الذكر
أنت تتكلم وقادر على الكلام وتستطيع التعبير وتصلي بالناس وتدعي، أنا سأجعلك لا تتكلم [مع الناس]؛ يأتي ليتكلم فلا يجد نفسه يتكلم.
وبعد ذلك انتهى الأمر، ولعل ذلك أن في المخ مركزًا متعلقًا بالكلام، فهذا المركز تعطّل وهكذا، فربما حدث شيء في هذا المركز.
قال: لا، هذا عندما كان يأتي ليقول سبحان الله يعمل لسانه، لا إله إلا الله يعمل لسانه، يا رب يعمل لسانه، الذكر يعمل لسانه، يأتي ليتكلم مع الناس يتوقف لسانه.
لسان زكريا يعمل بالذكر ويتوقف عن كلام الناس والختام
حسنًا، في مركز أيضًا في الدماغ يتعطل هنا ويعمل هنا، لم نتوصل بعد إلى هذه المسألة. لكن الذي توصلنا إليه أن سيدنا زكريا [عليه السلام] عندما يأتي ليتكلم [مع الناس] يتوقف الكلام، وعندما يأتي ليذكر [الله] يعمل لسانه بشكل طبيعي.
في أمان الله، مهما كان الذكر:
﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ [آل عمران: 41]
انتهى الكلام هنا عن سيدنا زكرياء [عليه السلام]، فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
