سورة آل عمران | حـ 407 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير الله تعالى في سورة آل عمران إلى ما سبقه من أحكام بقوله: "ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم"، فالآيات هي المعجزات والذكر ضد النسيان.
- •الذكر الحكيم يحمل معنى الإحكام الذي يتضمن الاعتراف وعدم الاختلاف والائتلاف، وهو كتاب معجز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
- •كلما توسعت اكتشافات البشر للكون، تأكد صدق القرآن الكريم وتوافقه مع الحقائق العلمية.
- •تمثل آية "والشمس تجري لمستقر لها" نموذجاً لإعجاز القرآن، حيث يدركها البدوي البسيط على قدر فهمه بملاحظة حركة الشمس الظاهرية.
- •اكتشف العلماء لاحقاً أن الشمس تتحرك فعلاً في الفضاء بسرعة اثني عشر ميلاً في الثانية متجهة نحو نجم فيجا.
- •كلما اكتشف العلماء حقيقة كونية جديدة، كان المسلمون يقولون "سبحان الله" لتوافق هذه الاكتشافات مع ما ورد في القرآن الكريم.
مقدمة الدرس وتفسير قوله تعالى ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن بدأ سورة آل عمران، وبعد أن بيّن لنا أحكامًا كثيرة يمهّد بها الحوار بين الأديان، قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]
يعني هذه الأحكام والقواعد والهداية التي ذكرناها لك الآن، سبعٌ وخمسون آية فوق مضمونها، نتلوها عليك من قبيل الآيات ومن قبيل الذكر الحكيم.
معنى الآيات والذكر الحكيم وبيان معاني المحكم الثلاثة
والآيات [هي] المعجزات، والذكر هو ضد النسيان؛ والذكر هو أن تذكر ربك، أن تذكر إيمانك، أن تذكر القرآن، فسمّاه الله سبحانه وتعالى ذكرًا.
والحكيم فعيلٌ يُطلق ويُراد منه الفاعل أي الحاكم، ويُطلق ويُراد منه المفعول أي المحكوم. وفي المحكم تحدثنا عن معانٍ ثلاثة وهي:
- •الاعتراف
- •عدم الاختلاف
- •الائتلاف
فتحدثنا عن الاعتراف، ثم تحدثنا عن عدم الاختلاف، ونتحدث اليوم عن الائتلاف.
القرآن كتاب معجز صالح لكل زمان لا يخالف الحقائق العلمية
هذا كتابٌ معجز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلما علا السقف المعرفي للبشرية وجدناه صالحًا لا يخالف الحقيقة ولا ما توصّل البشر إليه أبدًا.
وكلما زاد اكتشافنا للكون كلما قلنا ونحن ننظر ونصدّق: سبحان الله! هكذا هو الأمر. كل حين نقول سبحان الله، يا سلام، سبحان الله!
ويتعجب الناس منا قائلين: أكلما قلنا لكم شيئًا تقولون سبحان الله؟ إذن ماذا نقول؟ لا إله إلا الله، إذن ماذا سنقول؟ هذا حقًا سبحان الله!
تأمل البدوي الأمي في آية جريان الشمس وتسبيحه لله
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]
يتلوها البدوي في صحرائه، والبدوي أُمّيٌّ لا يعرف الفلك ولا يعرف القراءة والكتابة، وليس لديه مرصدٌ يرصد به الكواكب والأفلاك، وإنما يتعامل مع خلق الله على ما خلق الله، ولكنه إنسان.
وهو يتلو هذه الآية يقول: سبحان الله! فعلًا أرى الشمس كل يوم وهي تشرق من المشرق وتغرب في المغرب وتجري في السماء، فيحدث من جريانها اختلاف الظل؛ فالظل يمتد في جهة الغرب حيث هي [الشمس] في جهة الشرق، ثم ينقص فينقص إلى الفيء، ثم يرتدّ في جهة الشرق حيث هي [الشمس] في جهة الغرب.
تأمل البدوي في الكون واستدلاله على وجود الخالق الحكيم
جالسٌ [البدوي] ينظر إلى ما حوله ويقول: ما هو؟ ليس هناك شيء! فسبحان الذي أجرى الشمس في السماء حتى نعلم الأوقات شروقًا وغروبًا، ظهرًا وعصرًا، وميّز بذلك الشروق وهذا الغروب، الليل والنهار، سبحان الله!
من الذي يقول هكذا؟ هذا البدوي. نهارٌ ساجٍ وليلٌ داجٍ وأرضٌ ذات فجاج. وأخذ يقول وهو يسجع هكذا: نهارٌ ساجٍ أي منير، وليلٌ داجٍ أي في ظلمة، وأرضٌ ذات فجاج [أي] سُبُلٌ مختلفة.
هكذا، نعم، وسماءٌ ذات أبراج، ألا تدلّ على الحكيم الخبير؟
استدلال البدوي بالبعرة على البعير وبآيات الكون على الخالق
هو [البدوي] يقول ماذا من البداية؟ يقول: البعرة تدلّ على البعير، والأثر يدلّ على المسير؛ فنهارٌ ساجٍ وليلٌ داجٍ وأرضٌ ذات فجاج وسماءٌ ذات أبراج — النجوم يعني — ألا تدلّ على الحكيم الخبير؟
هذا من الذي يقول؟ الإنسان [البسيط]، لكن البدوي على قدره [من العلم والمعرفة].
اكتشاف العلماء أن الشمس تجري نحو نجم فيجا وتصديق القرآن لذلك
ولكن هناك جاليليو والمراصد وكوبرنيكوس وهؤلاء الذين عملوا دراسات وهكذا، قالوا: أبدًا، هذه الشمس ثابتة في مكانها ونحن الذين ندور حولها. ذهبنا [إلى القرآن فوجدنا]: والشمس تجري!
حسنًا، يبقى إذا كان القرآن يقصد الحركة الظاهرية [فقط]؟ قالوا لنا: لا، هذه معلومة جديدة.
ما هي المعلومة الجديدة؟ قالوا: إن الشمس تجري وخلفها المجموعة الشمسية كلها نحو نجم فيجا.
ما هو فيجا هذا؟ قالوا: فيجا هذا نجمٌ وهي [الشمس] متجهة إليه هكذا باثني عشر ميلًا في الثانية وتجري وخلفها [المجموعة الشمسية]. الشمس تجري يا أولاد! قالوا إنها تجري، لا إله إلا الله!
تسبيح المؤمنين عند كل اكتشاف علمي يصدق القرآن الكريم
ماذا قلنا؟ قلنا سبحان الله!
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]
نجلس نقول سبحان الله، كلما يكتشفون شيئًا نقول سبحان الله، وهكذا.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله.
