سورة آل عمران | حـ 404 | 55-57 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يوضح الله تعالى في سورة آل عمران أن المرجع إليه سبحانه ليحكم بين الناس فيما يختلفون فيه يوم القيامة.
- •يعذب الله الكافرين في الدنيا والآخرة، فهم يعيشون في ضيق وعذاب نفسي في الدنيا لعدم إيمانهم، ولا يجدون لهم ناصرين.
- •المؤمن عند الألم يقول "يا رب" فيجد الأمل والصبر، ويحسن الظن بالله، ويكون في حاله خير سواء في السراء أو الضراء.
- •الكافر لا يستطيع الخروج من ضيقه لأنه محاط بجهنم نفسية في الدنيا بسبب إنكاره وجود الله.
- •الله لا يحب الظالمين ولا المفسدين ولا المسرفين ولا الكافرين، بينما يحب المتوكلين وأهل الصفات الحسنة.
- •العدل أساس الملك، وبه يستقر الأمن بين الناس، والظلم ظلمات يوم القيامة.
- •دعوة المظلوم مستجابة عند الله ولو كان كافراً.
- •الله يوفي المؤمنين الذين عملوا الصالحات أجورهم كاملة.
آية سورة آل عمران في الحساب يوم القيامة وعدم نسخها لأنها إخبار عن المستقبل
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]
فجعل [الله سبحانه وتعالى] الحساب يوم الحساب [يوم القيامة]. وهذه الآية لم تُنسخ؛ لأنه يُخبر عن المستقبل، والإخبار ليس فيه نسخ، وإنما النسخ في الأحكام تخفيفًا أو تشديدًا.
عذاب الكافرين في الدنيا والآخرة وثواب المؤمنين وبيان عدل الله تعالى
قال [الله سبحانه وتعالى]:
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ [آل عمران: 56]
يعني [هذا العذاب يكون] يوم القيامة، وفي الحياة الدنيا [أيضًا]، وما لهم من ناصرين.
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]
وهذا من بيان العدل؛ أن الله سبحانه وتعالى يجعل عقابًا ويجعل ثوابًا، فأما الذين كفروا فلهم العقاب، وأما الذين آمنوا فلهم الثواب.
حال الكافر في ضيق الكفر وعدم قدرته على اللجوء إلى الله عند الألم
الذين كفروا هم في عذاب في الدنيا، وإذا سألت أحدهم لقال لك: إني في جهنم في الدنيا! هو لا يؤمن بجهنم التي هي في الآخرة؛ لأنه في ضيق الكفر.
تصوّر إنسانًا يتألم فلا يستطيع أن يقول: يا رب! تصوّر هكذا، بكلمة "يا رب" تجعل الإنسان لديه أمل. تصوّر إنسانًا ليس لديه أمل، تصوّر شخصًا لا يقول: يا رب!
فماذا تفعل به إذن؟ كيف تفهم هذه النفسية؟
يتألم فتسودّ الدنيا في وجهه [لأنه لا يلجأ إلى الله].
حال المؤمن عند الألم ولجوؤه إلى الله وأمله في الشفاء وثوابه على الصبر
المؤمن يتألم ثم يقول: يا رب، فيبقى لسانه ذِكرًا، ويبقى قد أخذ حسنة، ويعلم أن هذا الألم من خلق الله، وعنده أمل في أن الذي أمرضه سوف يشفيه، فيبقى لديه أمل، فيأخذ ثوابًا؛ لأنه أحسن الظن بالله.
والمؤمن هذا هو عندما يرى الألم ويقول: يا رب، ولديه أمل، فيبقى لديه صبر. والصبر هذا سيأخذ عليه ثوابًا، حتى الشوكة التي تشوك المؤمن [يُؤجر عليها]. يقول لك [النبي ﷺ]:
«عجيبٌ أمرُ المؤمن، إنَّ أمرَه كلَّه له خير؛ إذا أصابته ضرَّاءُ صبر، وإذا أصابته سرَّاءُ شكر»
إن لم تكن هناك فائدة من شيء كهذا [الصبر والشكر]، الباب مفتوح [للأجر والثواب].
المؤمن يذكر الله في السراء والضراء وعجيب أمره في كل أحواله
يقولون [أي الأعداء]: ألا تملّون؟ ضربناكم بالقنابل تقولون: يا رب! تركناكم تزرعون وتقلعون وتتمتعون بخير الأرض تقولون: يا رب الحمد لله!
ثم عجيب أمر المؤمن، إن أمره كله له خير في السراء والضراء.
هذا هو الحال عندما ترى المقارنة بين الذين كفروا والذين آمنوا؛ تجد أن هؤلاء [الكافرين] في عذاب في الدنيا، ولا يستطيع أحدهم أن يخرج من جهنم التي أحاط نفسه بها؛ لأنه لا يؤمن بالله.
الكافر يرفض اللجوء إلى الله ويبقى في ضيقه وجهله بحقيقة الخالق
وعندما تأتي لتقول له [أي للكافر]: قل يا رب، يقول لك: رب يعني ماذا؟ وما شأني؟ أين الرب؟ يعني أوهام! فابقَ في الذي أنت فيه، وليس أوهامًا، ابقَ في ذلك الحال، فابقَ في ضيقك وابقَ في جهلك.
فهو جاهل لا يرضى أن يعرف الحقيقة، وأن الله أظهر من المخلوقات؛ لأنه هو الذي خلقها، فهو أظهر منها.
﴿هُوَ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحديد: 3]
لأنه لا تدركه الأبصار، فأبصارنا لا تدركه سبحانه وتعالى.
صفات ما يحبه الله وما لا يحبه في القرآن الكريم منهج حياة وأخلاق
وبعد ذلك ختم الآية فقال:
﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]
هذه هي الصفات التي إذا تتبعتها في القرآن الكريم لله سبحانه وتعالى فيما يحب ولا يحب؛ فالله لا يحب الظالمين، لا يحب الكافرين، لا يحب المفسدين، لا يحب المسرفين، إنه لا يحب المسرفين، لا يحب الفساد في الأرض.
لا يحب... تتبّع هكذا في ما لا يحب، وتتبّع في ما يحب: يحب الصابرين، ويحب المتوكلين، ويحب... وهكذا حتى النهاية.
هذه الصفات تجد روحك ترسم منهجًا؛ أن هذا يحبه الله وهذا لا يحبه الله. منهج حياة، منهج أخلاق.
العدل أساس الملك وخطورة الظلم واستجابة الله لدعوة المظلوم ولو كان كافرًا
فالكلمة البسيطة هذه التي أخذت أربع كلمات: "الله لا يحب الظالمين"، تريد أن تضيف لها الواو: "والله لا يحب الظالمين" فتصبح خمسة [كلمات]، أي بعدد الأصابع، يداك تبني عليهما الحياة؛ لأن العدل أساس الملك.
فلو أن فيه عدلًا بين الناس لاستقر الأمن واستقر الحال. بين الناس في ظلم؟
«الظلم ظلمات يوم القيامة»
إن الله يستجيب للمظلوم ولو كان كافرًا، ولو كان كافرًا؛ لأنه مظلوم. أنا قلت للظالم؟ لا، للمظلوم. الظالم ربنا يستجيب عليه [أي تنزل عليه الدعوة].
دعوة المظلوم مستجابة والظلمات يوم القيامة وحقيقة ظلام الظلم وعاقبته
إن الله يستجيب للمظلوم ولو كان كافرًا. دعوة المظلوم مستجابة عند الله ولو كان كافرًا.
حسنًا، والظالم؟ الظالم ستنزل عليه الدعوة، فالظلم ظلمات يوم القيامة. والظلمات يوم القيامة هذه أمر صعب جدًّا.
هذا يوم القيامة الشمس قريبة من رؤوس العباد، فكيف تكون ظلمة؟ تصوّر إذن ظلامًا دخلت فيه، لا بل اتركه [أي اترك التصور الحسي]؛ الظلام فيه ما في عدم الرؤية، الظلام فيه تخبّط، الظلام فيه أنك على غير هداية. ولذلك فالظلم ظلمات يوم القيامة.
توفية أجور المؤمنين والدعاء بعدم ظلم النفس والناس والختام بالسلام
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: 57]
ثوابهم سيصل إليهم تمامًا.
﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]
فاللهم اجعلنا ممن لا يظلمون أنفسهم ولا يظلمون الناس.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
