سورة آل عمران | حـ 435 | 87 -89 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 435 | 87 -89 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص آيات من سورة آل عمران حول الذين يكفرون بعد الإيمان ومصيرهم، حيث يستحقون لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
  • اللعنة تعني الطرد من رحمة الله، وهؤلاء خالدون فيها دون تخفيف للعذاب ولا إمهال.
  • يوضح أن العذاب ناتج عن مخالفة الكون المسبح لله، فيصبح الكون كله ضاغطاً على المخالف.
  • من علامات هذا العذاب الاكتئاب وضيق الصدر وانعدام الصبر والرحمة وعدم الاهتداء.
  • رغم شدة العقاب وإحكام الإغلاق، يفتح الله باب التوبة بقوله: "إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا".
  • يظهر هذا جلال الله وجماله معاً، فبعد الجلال المخيف يأتي الجمال المطمئن بفتح باب التوبة.
  • علامة التوبة المقبولة هي العمل الصالح، كما يقترن الإيمان دائماً بالعمل الصالح في القرآن.
  • يختم بأن الله غفور رحيم لمن تاب وأصلح.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

افتتاح الحلقة والدعاء مع تلاوة آيات من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اشرح صدورنا للإسلام.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن أولئك الذين...

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اشرح صدورنا للإسلام، وهيئ أمرنا يا رحمن، واغفر ذنوبنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ * أُولَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: 86-87]

وتحدثنا عن هاتين الآيتين في حلقات قد سبقت.

معنى الخلود في اللعنة والعلاقة بين اللعنة والعذاب

يقول [الله تعالى] بعدها:

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [آل عمران: 88]

خالدين في ماذا؟ في اللعنة يا لطيف! إذن هؤلاء في استمرار في اللعنة.

حسنًا، اللعنة هذه فيها طرد من رحمة الله؛ ملعون يعني مطرود من رحمة الله.

ما علاقتها بالعذاب؟ واحد في الخارج يكون إذن محايدًا؛ واحد طُرد من الرحمة لكن لم يدخل بعد في العذاب، أم هما أمران: إما رحمة وإما عذاب؟ قيل لك: لا، هذا الرجل ماذا فعل، أو هذا الإنسان ماذا فعل؟ أنه خالف الكون كما قلنا من قبل، خالف الغيب والشهادة.

عاقبة من خالف الكون وسار ضد تيار العبودية لله تعالى

طُرد من رحمة الله، فضد الغيب والشهادة عليه لعنة الله، وعليه لعنة الملائكة، وعليه لعنة الناس أجمعين. فيبقى سائرًا ضد التيار، فيبقى الكون كله ضده هكذا.

فتخيل أنت وأنت واقف، ثم يأتي عليك وحيد القرن والأسد وبنو آدم والشجر والملائكة ويسيرون تجاهك، فيكون عذابًا أم لا؟

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ [آل عمران: 88]

المضادة للكون المسبِّح الساجد المسخَّر عذاب؛ كان الكون في اتجاه يعبد ربه، وهذا المسكين في اتجاه آخر يخالف ربه، فالكون يضغط عليه.

أثر مخالفة الكون على النفس من اكتئاب وقلق وظلمة

ولذلك تجده مكتئبًا، يريد أن يفعل أي شيء كي يُخرج هذا الاكتئاب. لا تجد عنده صبرًا، لا تجد عنده رحمة، لا تجدها عن الإنسان الذي من هذا الصنف.

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [آل عمران: 88]

نظر الله ومحل نظر الله منوَّر؛ الله نور السماوات والأرض. ففي نور كهذا وأنت واقف في النور، في نظر الله، فترى الأشياء على حقائقها، مرتاح، نفسيتك مرتاحة.

[أما من لا] يُنظر إليه فيبقى ظلمة، فتكون الدنيا ظلمة، فلا أرى ما حولي، وما دمت لا أرى ما حولي فأكون حائرًا وقلقًا ومتعبًا.

المضادة للكون عذاب وانغلاق شديد ثم جلال الله في بيان أحوالهم

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ [آل عمران: 88]

ما الذي جاء بذكر العذاب؟ وهو أن هذه المضادة [لسنن الكون] عذاب، وينشأ منها العذاب.

﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [آل عمران: 88]

أي لا يهتدون؛ انغلقت عليهم بشدة هكذا. هذا جلال شديد بجلال [من الله تعالى]، ويبين لهم ما هي الأحوال السيئة التي هم فيها، فيكونوا قد هلكوا نهائيًا.

وهكذا أُغلق عليهم، وهكذا لا توجد فائدة.

فتح باب التوبة بعد الإغلاق الشديد من حنان الله وجماله سبحانه

وبعد ذلك:

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا﴾ [آل عمران: 89]

ما هذا! والله ما من بشر يعرف أن يقول هكذا؛ فالبشر ماذا يفعل؟ يظل وراءك حتى يكسرك ويميتك ويشرب من دمك. فما هذا إذن؟ حنين، كذلك هذا حنان من الله سبحانه وتعالى.

هذا بعد أن أغلقها وأحكم إغلاقها، ذهب فأفتحها. وخلف الباب ماذا؟ هذا:

﴿كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 86]

وبعد ذلك يقول لك:

﴿أُولَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ﴾ [آل عمران: 87]

وبعد ذلك يقول لك:

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ [آل عمران: 88]

هذا انغلق تمامًا، ثم يقول ماذا؟

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89]

وبعد ذلك لا تريدون أن نعبده؟ ما هذا؟ هذا رب الأرباب، لا إله إلا هو، خالق السماوات والأرض، فمن سنعبد إذن؟

تجلي الجلال والجمال الإلهي وعلامة التوبة بالعمل الصالح

هل يوجد أحد كذلك [يفعل هذا]؟ بعد أن يُظهر لنا هذا الإظهار ويتجلى علينا بجلاله وهذا حقه، وهو يعلم أننا لسنا في مستوى جلاله، جلَّ جلال الله، فيفتحها مرة أخرى ويعطي أيضًا ما يهدئ بال البشر؛ لأن هذا الذي ذكرناه لو كانت لنا قلوب لشهق أحدنا فمات. والله إن الحكاية صعبة جدًا هكذا، ونموت من شدة الجلال.

وبعد ذلك يسلي القلوب بالجمال بعد الجلال، فيقول:

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا﴾ [آل عمران: 89]

فتح لهم مرة أخرى، من بعد ذلك [الذي هو كل الإغلاق السابق]، وتابوا. فسبحان الله يقبل توبتهم!

علامة التوبة الصادقة العمل الصالح وختام الحلقة بالحمد والدعاء

وما علامة التوبة؟ علامة التوبة العمل الصالح؛ وأصلح [أي أصلحوا أعمالهم]. لم يرد في القرآن «آمنوا» إلا و«عملوا الصالحات»؛ الذين آمنوا يبقى وعملوا الصالحات.

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89]

الله غفور رحيم، حقيقة لكنها رافعة مانعة دافعة، وهكذا أبدًا.

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.