سورة آل عمران | حـ 444 | 100 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •حذر الله المؤمنين من طاعة فريق من أهل الكتاب الذين يردون المسلمين عن دينهم إلى الكفر.
- •منح الله البشر عقيدة سليمة ميسرة تقوم على الإيمان بالله والرسل والكتب واليوم الآخر والحساب والجزاء.
- •رفع الله الوساطة بين العبد وربه، فكل مسلم يؤدي عباداته بنفسه، فلا أحد يصلي عن غيره.
- •الصلاة تتضمن طقوساً محددة كالوضوء والتوجه للكعبة والقراءة والركوع والسجود، وهي أسرار كشفها الله للعالمين.
- •المؤمن الحقيقي منير الوجه طيب القلب مستحضر للموت والآخرة، يسعى لسعادة الدارين.
- •لا ينبغي تعميم الأحكام على جميع أهل الكتاب، بل هناك فريق منهم مخلص يقدم النصيحة.
- •يجب الحذر من الفريق الضال من أهل الكتاب الذين يضلون الناس.
- •المسلم من أهل الكتاب أيضاً لأنه أوتي القرآن، ويجب أن يحذر من أن يكون من الفريق المضل.
مقدمة وتحذير قرآني من الانحراف بسبب اتباع الأهواء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحذر من الانحراف بسبب الأهواء:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]
في هوى، فالله سبحانه وتعالى وضّح لنا وبيّن لنا عقيدة سليمة صحيحة سهلة ميسّرة تطابق الواقع؛ أن هناك إلهًا قد خلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأوحى بالتكليف وأمرنا ونهانا، ثم إن هناك يومًا آخر سنعود فيه إلى الله وفيه حساب وثواب بالجنة أو عقاب بالنار.
رفع الوساطة بين العبد وربه في العبادات والصلاة
وحينئذ كل الناس فاهمون هكذا، وأن الله سبحانه وتعالى عندما كلّفنا جميعًا ورفع الوساطة بين الخلق والخالق.
فتجد المسلمين يفعلون ماذا؟ كل واحد يصلي، لا يوجد أحد يصلي عن الآخر، لا يجوز أن تقول له: الله يحفظك صلِّ لي اليوم لأن هذا [الشخص] متعب قليلًا أو مشغول.
وصلاة المسلمين شاملة لكل الوقت خمس مرات في اليوم عشر ركعات، وصلاة المسلمين تشتمل على السجود لله رب العالمين، فكل واحد متصل بربه ويعرف طريقة الاتصال [بالله تعالى].
كيفية الوضوء والصلاة وأسرار العبادة التي اعتدنا عليها
تذهب فتتوضأ، تغسل وجهك ويديك إلى المرفقين وتمسح رأسك، وبعد ذلك تغسل قدميك إلى الكعبين. وبعد ذلك تذهب لتصلي، والوضوء هذا [يكون] قبل الصلاة، والوضوء هذا تبقى متوضئًا حتى ترتكب شيئًا مما ينقض الوضوء، وهذا الأمر عدده كذا وبيّن لنا هكذا، هذه أسرار كلها.
وعندما تأتي لتصلي أنت تعلم إذن كيف ستصلي لكي يتقبل الله صلاتك؟ ماذا تفعل: تتوجه إلى جهة الكعبة. هذا الكلام كلنا نعرفه ونقوم بممارسته هكذا، لكننا لا ننتبه إلى أن هذا سرّ [من أسرار العبادة].
فما هو؟ لا أحد يفعل هذا [في الأديان الأخرى]، أنت تفعل له هكذا سرًّا من الأسرار كشفه الله للعالمين.
صلاة الجمعة وأسرار ترتيب أركان الصلاة من قراءة وركوع وسجود
وبعد ذلك تمشون هكذا في الأسبوع كله، يوم الجمعة تجتمعون مع بعضكم البعض وتجعلون الظهر بدلًا من أن تكون أربعًا تجعلونها اثنتين واسمها صلاة الجمعة.
ما هذا؟ هذه أسرار كلها. هذه في الصلاة: فتدخل تقرأ الفاتحة وما تيسّر من القرآن، وبعد ذلك تقوم من الركوع ثم تسجد. إياك أن تسجد أولًا فذلك لا يجوز، وبعد ذلك تقوم بالسجود ثم تسجد مرة أخرى. إياك أن تسجد مرة واحدة فقط فذلك لا يجوز.
ما هذا؟ هذه كلها أسرار يا إخواننا التي اعتدنا عليها وألفناها ولكنها أسرار [عظيمة من الله تعالى].
آداب الصلاة من الخشوع والقنوت والتسليم عند الانتهاء
وأنت عندما تصلي إياك أن تتكلم وإياك تضحك، وتهليل وتكبير لا يصلح فيها من كلام الناس شيء.
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
فإذا علمنا أشياء [عن أحكام الصلاة]، تريد أن تنهي الصلاة؟ صليت أربع ركعات، قل: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله؛ لكي تقابل الناس بالسلام.
لا أحد يعرف هكذا [هذه الحكمة]. حسنًا، وهذا كيف ينسى ربه إذن؟ هذا [المسلم الذي يصلي] ربنا [حاضر في حياته]، انتهى الأمر ذات حياته.
أثر الصلاة على حياة المسلم واستحضار الموت والآخرة
وما دام [المسلم] في ذات حياته [متصلًا بالله] فتجد وجهه منيرًا، تجد قلبه طيبًا، تجد فيه ودًّا عنده وفيه إنسانية وفيه فهم ومستحضر الموت.
الآخر [غير المتصل بالله] عندما تذكر له سيرة الموت يكره ذلك: لا تذكر هذه السيرة، سيرة الموت! لكن هذا [المؤمن] سبحان الله الحياة مستحضرها والموت مستحضره.
ولذلك يقول لك: سعادة الدارين، السعادة في دار واحدة [لا تكفي]، فهو يحب الحياة ويريد السعادة فيها، ولا يجعل سعادة دار واحدة هي الآخرة [فقط]، هذه سعادة الدارين في الصلاة على سيد الكونين صلى الله عليه وسلم، اسم كتاب هكذا: «سعادة الدارين».
حب الدنيا والآخرة معًا والدعاء بحسنة الدارين
يعني كيف تحصل سعادتك في الدنيا والآخرة؟ يا الله! هذا أنت طمّاع يا أخي، الدنيا والآخرة، ما كفاية الآخرة؟ قال لك: لا، الدنيا نحبها ونحب أن نعيش فيها ونتمتع بما متّعنا الله فيها، والآخرة كذلك نريدها أيضًا.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
انظر كيف، ليس "ربنا آتنا في الآخرة" لا، "ربنا آتنا في الدنيا" لا، بل في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة [معًا].
الإنصاف في الحكم على أهل الكتاب والتفريق بين الفريق الضال والمخلص
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ [آل عمران: 100]
وهنا أمر مهم، لأن بعض أهل الكتاب يقول لكم: نحن ليس فينا الصفات التي تتحدثون عنها هذه. قلنا لهم: إن هذه ليست صفات أهل الكتاب [جميعًا]، هذه صفات فريق من أهل الكتاب.
انظر الإنصاف! يعلّمك الإنصاف، لا تأخذ العموم [فذلك] يؤدي إلى الشغب. من الذي قال إن كل الناس هكذا؟ لا!
﴿إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [آل عمران: 100]
وهذا معناه أن هناك فريقًا مخلصًا يؤدي لك النصيحة كما هي. فمن فيهم؟ هذا هو الذي يخلص دينه لله.
إخلاص الدين لله والتحذير من الفريق الضال من أهل الكتاب
فربنا يتكلم عن ماذا؟ عن إخلاص الدين من عدم إخلاص الدين، على من تعلّق قلبه بالله ضد من لم يتعلق قلبه بالله.
﴿فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 100]
نعم، لأنه يتحدث أولًا: هذا الكتاب للعالمين وهذا الكتاب هدى للمتقين، يعني هذا [الخطاب] موجّه لك أنت، يعني احذر أن تكون من أولئك الفريق [الضالّ].
فأنت على فكرة من الذين أوتوا الكتاب، أنت أيضًا من الذين أوتوا الكتاب؛ لأن كتابك القرآن، فأنت صاحب كتاب، ولكن احذر أن تكون من الفريق الضال الذي يضلّ الناس، وإذا ما قطعناه ردّ أو رددنا إلى الكفر والعياذ بالله تعالى.
أهمية فهم كونك من أهل الكتاب والختام بالتوديع
وفكرة أنك من أهل الكتاب هذه فكرة يجب أن تفهمها جيدًا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم السلام ورحمة الله.
