سورة آل عمران | حـ 466 | 118 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 466 | 118 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يحذر الله المؤمنين في سورة آل عمران من اتخاذ بطانة من غيرهم، فهؤلاء لا يعملون لمصلحة المؤمنين ويحبون مشقتهم وضيقهم.
  • ظهرت البغضاء من أفواه أعداء المسلمين من خلال ادعاءاتهم بالتفوق وترويجهم لمفاهيم مثل "نهاية التاريخ" التي تعني انتصار حضارتهم على جميع الحضارات.
  • يحاولون تصوير المسلم بأنه إرهابي ومتخلف، فظهرت البغضاء من أفواههم وما يخفون في صدورهم أعظم.
  • دعوة المسلمين إلى العفو والصفح مع الاستمرار في تبليغ رسالة الإسلام وإظهار حقيقة عبودية الله التي تحرر الإنسان.
  • ضرورة تدبر القرآن وفهم معانيه وتطبيقها، لا مجرد حفظه وقراءته دون تفكر.
  • المسلمون أمة واحدة رغم اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، فقبلتهم واحدة وقرآنهم واحد ورسولهم واحد.
  • التفكر والتدبر في كتاب الله سبيل لاتحاد المسلمين وتحقيق المعجزات.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية النهي عن اتخاذ بطانة من غير المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118]

أي من غيركم، لهم صفات:

﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118]

أي لا يعملون لمصلحتكم.

﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]

أي يحبون عنتكم وما أنتم فيه. وعنتكم تعني ضيقكم وأن تكونوا مختنقين؛ هم يحبون أن يجعلوكم مختنقين لكي يبقوا هم في الأعلى وأنتم في الأسفل، وأنتم سوق لاستهلاك البضائع الخاصة بهم.

ظهور البغضاء من أفواههم وادعاء أحادية الحضارة والتفوق

﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118]

وهو يتكلم، يتكلم بـأحادية الحضارة: أنا أفضل منك. أفضل مني في ماذا؟ هذه بلادكم لا يوجد أمن، وبعد الساعة الثامنة يغلق البيوت لئلا يأخذهم قطاع الطرق، ولا يوجد ود وكذا.

وهكذا يردد: أنا أفضل منك، ويظل يقول أنا أفضل منك حتى يصدق نفسه. وقُلْتِ الشمسُ بالبيداءِ تِبْرٌ ومثلكِ من تخيل ثم خالا؛ أي ظللت تكذب على نفسك حتى خال عليك الكذب.

وهذا يسمونه الآن الواقع الافتراضي؛ أي أن يخلق لك واقعًا غير موجود حتى تصدقه. فالمقاييس كلها أننا متخلفون وأنهم متقدمون.

مفهوم نهاية التاريخ وإنكار الحضارة الإسلامية والبحث عن الحقيقة

﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118]

يقول لك: نهاية التاريخ. نهاية التاريخ أي ماذا تعني؟ كان هناك صراع بين الحضارات المختلفة، ثم انتصرت حضارة على الحضارات كلها وانتهى التاريخ، انكشف الأمر، انتهى.

الحضارات تقول: ما قال مثل الحضارة الإسلامية هذه التي تقول لك إن هناك ربًّا وتكليفًا ويومًا آخر. فماذا حدث؟ قال: لا، هذه الأسئلة عن من الذي خلقنا وأن هناك ربًّا يجب أن نبحث عنها في الكون حتى نصل إليها في علم الفلك وفي الطب وفي الحياة وفي النبات وهكذا.

أبحثتم؟ قال: ها نحن نبحث. هل وصلتم لشيء؟ قال: لا، ليس بعد، ولكن نحن نبحث.

دعوى نهاية التاريخ وتجاهل الأسئلة الكبرى عن الغيب والمصير

فماذا نفعل هنا؟ قال لك: كل واحد منا على هواه، هكذا سنضع قوانين ونسير عليها. فماذا في الغد؟ قالوا: لا شأن لي بالغد.

وعلى كل حال أيضًا بالتقدم العلمي سنصبح عارفين ماذا بعد الموت. أوصلتم إلى شيء؟ فقال: لا، لم نصل بعد، ولكننا سوف نصل.

فـنهاية التاريخ معناها أننا وصلنا. ما الذي وصلتم إليه؟ قال: وصلنا إلى أنه لا شأن لنا بوجود ربنا أم لا يوجد ربنا. والآن ها نحن: القوي يغلب الضعيف. وغدًا؟ لا شأن لنا بالغد، ماذا سيحدث؟ قالوا: هذا ما وصلنا له.

وبعد ذلك عندما فعلت ذلك هل قمت بحل المشكلة؟! قال: نعم، نهاية التاريخ، اتعدلت الدنيا هكذا.

ظهور البغضاء في وصف المسلمين بالإرهاب والتخلف الحضاري

أسئلة نهائية نبقى نجيب عليها بعد ذلك، في نهاية الأمر وانتهى، أجبنا عليها على كل حال بهذه الطريقة. فسموا الكلام نهاية التاريخ.

فيقول هنا:

﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118]

ما هو إذا كنت أنت الحضارة الأقل، وإذا كنت أنت الشخص المسلم فستكون إرهابيًّا، وإذا كنت أنت الشخص المتخلف.

﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118]

هم يقولون إن أخطاء اللسان تكشف عما في النفس. فلتكن أخطاء اللسان هذه التي تخطئون فيها تكشف عما في النفس.

الأمر بالعفو والصفح والاستمرار في تبليغ رسالة الإسلام للعالم

فماذا نفعل نحن إذن؟

﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]

الله، ما من شيء سيؤثر فيكم وستتجاوزون هذا. نعم سنتجاوز هذا، وسنظل نستمر هكذا حتى تتعلموا منا كيف تكون إنسانًا، كيف تعبدوا الله، كيف تعمروا الكون، كيف تفهموا أنكم تسجدون لرب العالمين فتتحرروا بهذا السجود.

هي بكونك عبدًا لله فإنك لست عبدًا لأحد. سنظل هكذا حتى نبلغ عن رسول الله ولو آية.

أهمية تدبر القرآن الكريم وعدم الاكتفاء بقراءته دون تفكر

انتبهت!

﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ﴾ [آل عمران: 118]

نبين، ها نحن نتكلم، نقول: لا تغفلوا، قد بينا لكم الآيات. إن كثيرًا من المسلمين يقرؤون القرآن، والقرآن غير واضح لديهم.

والفكرة ما هي: أنه لا يفكر، أنه لا يتدبر، لا يمسك هكذا القرآن ويقرأه آية آية، ويقف عند كل كلمة ويقول: الله! وهذه ما معناها وماذا نفعل؟ هل نتصورها هكذا؟ نريد أن نطبقها فكيف تكون؟ هذا يلزم منه كذا، إذن وهكذا.

لا يفكر! هذا ما قاله سيدنا علي [رضي الله عنه]: لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه. الظاهر فقط! هكذا تجد الشيخ حافظًا للقرآن، لكن هل تدبر؟ يجب عليك يا مولانا أن تتدبر.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]

الكسل الفكري عند المسلمين والدعوة إلى إعمال العقل في فهم القرآن

﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ﴾ [آل عمران: 118]

انظر إذن إلى الكلام:

﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118]

يقول لك أن تشغل عقلك. لماذا لا تريد أن تشغل عقلك؟ هذا الذي نسميه حالة الكسل الفكري؛ أصابنا بكسل فكري.

يمكن أن يكون واحد منا يفكر، يمكن أن يكون مائة فينا يفكرون، لكن هذا القرآن نازل لنا جميعًا. هذا يريد مليارًا وثلاثمائة مليون يفكرون! ولو فكروا ستحدث أشياء، معجزات ستحدث.

معجزة اتحاد الأمة الإسلامية لو فكر المسلمون جميعًا في القرآن

تحدث ماذا؟ معجزة في ماذا؟ يقول لك: هل يعرف أحد أن يجمع مليارًا وثلاثمائة مليون على توجه واحد هكذا ومشرب واحد؟ فليتركوهم يفكروا هكذا، ستجدهم قد اتحدوا. فألا تكون هذه معجزة حينئذ؟

فأنت لو أحضرت ثلاثة أو أربعة وعرضت عليهم موضوعًا يختلفون فيه على خمس آراء وهم أربعة، تجدهم مختلفين على خمس آراء؛ لأن واحدًا يقول لك: والله ممكن وممكن، أي كذلك يبقى محتارًا. فما بالك بهذا الخلق كله؟

وحدة الأمة الإسلامية رغم اختلاف المذاهب واللغات والدعوة إلى التدبر

قال الله: فهل أمتكم هذه ما فكرت قبل ذلك؟ قلنا لهم: لا، فكروا. قال: لماذا لم يتحدوا؟ قلنا لهم: من الذي قال لكم أنهم لم يتحدوا؟!

هذه أمة واحدة إلى يومنا هذا: قبلة واحدة، قرآن واحد، رسول واحد، وفرائض واحدة. بعد اختلافهم في المشارب والمذاهب والقوميات واللغات والأماكن والدول، أيضًا ما زالوا متحدين أمة واحدة. من الذي قال لكم؟!

تأملوا وتدبروا يكن في ذلك الخير. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.