سورة آل عمران | حـ 473 | 126 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •أوضح القرآن الكريم في سورة آل عمران أن الله جعل المدد الملائكي بشرى للمؤمنين ولتطمئن قلوبهم، وأن النصر من عند الله.
- •أشعر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالمعونة الربانية وأنهم ليسوا وحدهم في المعركة رغم قلة عددهم وعتادهم مقارنة بالمشركين.
- •وعد الله المؤمنين بتأييدهم بثلاثة آلاف من الملائكة مسومين، مما منحهم شعوراً بالقوة والثقة.
- •يخطئ المحدثون عندما يعتمدون على "دولة الكم" وحدها، متجاهلين دور التأييد الرباني الذي أثبت التاريخ أهميته في تحقيق النصر.
- •كانت غزوات المسلمين دفاعية وليست هجومية، فالمشركون كانوا المعتدين والمسلمون في موقف الدفاع عن النفس.
- •بعد غزوة أحد، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بملاحقة المشركين رغم التعب والإصابات، فخرجت كتيبة حتى حمراء الأسد.
- •دخل المشركون مكة خائفين فزعين، مما يؤكد أهمية التربية العسكرية والمعنوية.
البشرى الربانية بالنصر والتأييد في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]
فلما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأن يعيشوا في هذا الجو المؤيَّد، وأن يشعروا بالمعونة الربانية الإلهية، وأنهم ليسوا وحدهم في عالم الأسباب وفي دولة الكَمّ [أي: عالم الأرقام والحسابات المادية]، وأنهم على الثلث من قوات المشركين، ويكاد يكون السلاح لا مقارنة بينه وبين ما في أيدي المشركين.
خطورة بناء القرارات على الخوف والضعف ودولة الكم وحدها
في دولة الكَمّ [أي: عالم الحسابات المادية] يشعر الإنسان بالضعف، وقد يشعر بالعجز، وإذا بنى قراره على ذلك بنى قراره على أنه في الطرف الذليل وأنه ذليل.
ولكن القرارات ينبغي ألا تُتَّخذ بناءً على الخوف، ولا تُتَّخذ بناءً على الضعف، ولا تُتَّخذ بناءً على دولة الكَمّ وحدها. أيضًا دولة الكَمّ تدخل في الحساب، ولكن ليس القرار يُتَّخذ بناءً عليها وحدها.
بشرى النبي للمؤمنين بتأييد الملائكة في المعركة
فلما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة؛ من أنه [سبحانه وتعالى] سيؤيدهم ويعينهم، وأن هناك ثلاثة آلاف من الملائكة مُنزَلين، بل وزاد الله سبحانه وتعالى أكثر من ذلك فجعل هناك خمسة آلاف من الملائكة مُسَوِّمين.
شعر الناس بالمعونة الربانية، أُشعِر الناس بجو التأييد، شعروا بأنهم ليسوا وحدهم في المعركة، بل أن هناك تأييدًا ربانيًّا إلهيًّا، مددًا من عند الله سبحانه وتعالى.
خطأ المحدثين في إهمال التأييد الرباني والاعتماد على دولة الكم وحدها
وهذا خطأ يقع فيه المحدَثون كثيرًا؛ أنهم ينحون ويريدون أن ينحوا هذا الشعور بالتأييد والمعونة [الإلهية]، ويرونه جزءًا من العقل الغيبي، ويعتمدون على دولة الكَمّ وحدها.
وهذا بخلاف كل ما ثبت في التاريخ من أن دولة الكَمّ وحدها لم تكن لها الغلبة. وهذا عبر العصور دلّ على أن هناك شيئًا في القلب إذا ما وُجِد، وأن هناك تربية عند الإنسان إذا ما وُجِدت؛ فإن القليل يحرّك ذرات هذا الكون وينتصر.
البشرى بالمعونة الربانية تمنح الإنسان شعورًا بعدم الهزيمة
إذن إن الله سبحانه وتعالى جعل هذا بشرى؛ هذا الذي هو الإخبار بالمعونة الربانية وبالتأييد الرباني. هذا عندما يصل الإنسان إلى درجة أن يقول: أنا لن أُهزَم.
تحديد المعتدي والمعتدى عليه في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم
لكن من المعتدي ومن المعتدى عليه؟ الذي يقعد في مكانه هو المعتدي، أم المعتدي الذي حرّك جسده وركب وسار وسافر بالجيش وبقَضِّهم وقضيضهم، هو هذا المعتدي؟
ما هو الضارب؟ أين الضارب والمضروب؟ المشركون ضاربون والمسلمون مضروبون.
هذا القول نفعنا حتى اليوم؛ عندما يأتي أحد ليقول لك إن دينكم انتشر بالسيف وانتشر بالعنف وانتشر بالإكراه. كيف؟ بأي إمارة [أي: بأي دليل]؟ بأي إمارة أن بدرًا كانت بجانب المدينة؟ أم بإمارة أن أُحُدًا كانت بجانب المدينة؟ أم بإمارة أن الخندق كان حول المدينة؟
الدفاع عن النفس ليس عدوانًا بل صد للطغيان والاستعمار
أم بإمارة ما؟ أنتم! هذا أنتم أهلكتمونا ضربًا! نحن ما نحن جالسون هنا صامتين.
فهل يصبح الدفاع عن أنفسنا صار عدوانًا؟ صدّ العدوان ورفع الطغيان أصبح مذمومًا؟!
نعم، يبقى [ذلك الاتهام] فكرًا استعماريًّا وفكرًا حاقدًا، ولكن يبقى أننا انتصرنا هكذا.
موقف النبي بعد أحد وأمره بملاحقة المشركين رغم الإرهاق
هذا حتى أُحُد التي انهزم فيها المسلمون وغلب المشركون أيضًا نفعتنا. تعالَ: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُد والصحابة الكرام عائدون، متعبين نفسيًّا لحدوث الهزيمة، وجسديًّا للجراح التي بهم، والناس الذين استُشهدوا سبعون استُشهدوا.
سيدنا حمزة حبيب رسول الله وعمه اغتيل في المعركة، فرجعوا متعبين مُجهَدين يريدون أن يرتاحوا ويُطعَمهم طعامًا -كما يقول أهل الجيش- طعامًا ساخنًا طيبًا لكي يَصبَحوا.
فقال لهم [رسول الله ﷺ]: لا، ماذا تفعلون؟ قالوا له: سننزع دروعنا فحسب. قال لهم: تنزعون ماذا؟ اجروا وراء أولئك القوم المشركون! اركضوا وراءهم!
تربية عسكرية نبوية في عدم الاستسلام للهزيمة وملاحقة العدو
أنتم ضُرِبتم فعلِّمهم أن الذي يُضرَب بهذا الشكل لا يسكت، وإلا يشعر بالقهر والهزيمة، بل يذهب ليضرب على الفور وراءهم.
فخرجت كتيبة من المسلمين وراء المشركين حتى حصّلوا فُلولًا منهم في حمراء الأسد، ودخل المشركون مكة في فزع وخوف يفرّون: الله! من الذي وراءنا؟ هؤلاء والله هؤلاء الذين لم نَقضِ عليهم بعد! ودخلوا مكة وهم في منتهى الفزع وفي منتهى الخوف.
تربية عسكرية؛ العسكرية تريد منا ذلك.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
