سورة آل عمران | حـ 498 | 146 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 498 | 146 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • قصص الأنبياء في القرآن حقيقة واقعية وليست أساطير، أنزلها الله للموعظة والاعتبار.
  • الله قادر على خلق القصص الحقيقية التي تحمل الموعظة، ومن الخطأ الاعتقاد بأنها للموعظة فقط دون أن تكون واقعاً.
  • القرآن مصدر صحيح للتاريخ لأن الله تكفل بحفظه بلفظه ولغته، بينما النقوش والمخطوطات قد يشوبها الكذب لأغراض سياسية أو اقتصادية.
  • الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، وهذه حقيقة تاريخية ثابتة، فالله أوجب القتال على الأنبياء وأتباعهم المؤمنين، مع تحريم القتل.
  • الله أرسل أنبياء كثيرين عبر التاريخ، وقد اختلف العلماء في الفرق بين النبي والرسول.
  • الجهاد في سبيل الله أعلى أنواع الجهاد لأنه بذل للنفس، والربانيون الذين قاتلوا مع الأنبياء صبروا ولم يضعفوا ولم يستكينوا.
  • المؤمنون مدعوون للاقتداء بهؤلاء الصابرين الذين هداهم الله.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس والافتتاح بالدعاء مع سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اشرح صدورنا وعلمنا مرادك من كتابك يا أرحم الراحمين.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحكي لنا قصص السابقين من الأنبياء والمرسلين، وهي حكاية حق وليست هي أساطير؛ يريدها الله سبحانه وتعالى من أجل الموعظة والاعتبار.

القرآن الكريم حق ثابت والله هو الذي خلق وحكى عما خلق

لقد أنزل الله الكتاب وأكد على أنه حق، والحق هو الثابت الحقيقي الذي أراده الله. وهذا هو الله الذي خلق، والذي حكى عما خلق وعن من خلق، فهو قادر على أن يخلق القصة الحقيقية التي هي مصدر حقيقي للتاريخ، وأن يجعل فيها الموعظة والاعتبار.

بعض الناس يقولون: لعل هذه القصص التي أوردها الله في القرآن أن تكون للموعظة دون أن تكون لحكاية الواقع ونفس الأمر؟ ونقول لهم: هذا يخالف الحق؛ كلمة حق في اللغة هذا مخالف لها. وما الذي يعجز الله سبحانه وتعالى جل جلاله أن يخلق وأن يجعل الموعظة فيما خلق؟ ما الذي يعجزه؟

المنقوشات البشرية قد يكتنفها الكذب بخلاف كتاب الله المحفوظ

وإذا أردتم فإن المنقوشات والخربشات التي على الجدران وفي المسلات والأهرامات هي التي قد يكتنفها الكذب؛ لأن الذي كتب ليس بمعصوم، والذي كتب لم يكتب عن الله، إنما كتب لمصالح سياسية آنية أو اقتصادية أو قومية أو غيرها يريد تحصيلها. فمن الذي قال إن هذا محض صدق؟

الاحتمال الذي تريدونه [أي احتمال عدم مطابقة القصص للواقع] لا يأتي في كتاب الله، إنما يأتي في نفس التاريخ [البشري]. فالتاريخ الصحيح هو الذي نأخذه من كتاب ربنا سبحانه وتعالى.

حفظ الله للقرآن بلفظه ولغته جعله مصدرًا حقيقيًا للرواية التاريخية

وسبب ذلك أنه [أي الله سبحانه وتعالى] قد حفظ الكتاب في لغته وبلفظه، في لغته التي هي العربية وبلفظه، يعني لا زيادة حرف ولا نقص حرف.

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

انتهى، تولى [الله] حفظه. لذلك أصبح [القرآن] مصدرًا للرواية التاريخية، وأصبح مصدرًا حقًا وليس وهمًا.

تفسير آية وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وحقيقة قتال الأنبياء

يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا ٱسْتَكَانُوا وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]

حقيقة أن الله أرسل أنبياء، حقيقة أن هؤلاء الأنبياء قاتلوا في سبيل الله. اليوم يقول لك [بعض الناس]: هذا المسلمون فقط الذين يقاتلون في سبيل الله! لم يحدث هذا، [هذا] كذب؛ الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، جميع الأنبياء أوجب الله سبحانه وتعالى القتال على الأنبياء وأتباعهم المؤمنين، ولم يحرم القتل [أي لم يحرم القتال بل حرم القتل].

الفرق بين القتال المأمور به والقتل المحرم في الشريعة

قاتَلَ وقَتَلَ، ما الفرق؟ حرف واحد: ألف. ما رأيك أن الفرق بين الوجوب والتحريم [حرف واحد]؟ فأوجب [الله] القتال وحرّم القتل. هذه الحكاية هذا ملخصها كذلك.

فهنا يحكي الله سبحانه وتعالى أنه ما زال يوضح للبشرية أحكامها:

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

وكأيّن من نبي، يبقى «كأيّن من نبي» يعني أن أنبياء كثيرين جاءوا حتى سيدنا رسول الله ﷺ.

حديث عدد الأنبياء والرسل ودرجة ضعفه عند المحدثين

في الحديث يقول لك: مائة أربعة وعشرون ألفًا [نبي]. نريد [أن نبيّن أن] الحديث فيه ضعف — هذا حتى لا يغضب الشيخ أسامة — الحديث فيه ضعف، ولكن يعني أنه ورد في الكتب الستة؛ أخرجه الترمذي وأخرجه ابن حبان.

ولكن في رواية الترمذي عن أبي ذر [رضي الله عنه] يقول: مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولًا. فيكون النبي أعم من الرسول.

الخلاف بين العلماء في الفرق بين النبوة والرسالة وأقوالهم الأربعة

وهذا [أي كون النبي أعم من الرسول] هو الذي جعل أيضًا — بالإضافة إلى سنده والمجاهيل التي فيه — أنهم يقولون عليه أن هذا حديث ضعيف. لماذا قالوا ذلك؟ لأن هذا القرآن جعل النبي كالرسول والرسول كالنبي. أتلاحظ كيف جعل النبي كالرسول والرسول كالنبي؟

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ﴾ [الحج: 52]

فقضية الرسالة والنبوة يعني كأنهما مترادفان، إنما هذا له جهة وهذا له جهة، كما يقول العز بن عبد السلام. واختلف الناس [أي العلماء]: هل الرسالة والنبوة مترادفان، أم النبوة أعم، أم الرسالة هي التي أعم، أم كل منهما له خصائصه ويشتركان في الوحي؟ على أربعة أقوال تجدها في تدريب الراوي نقلًا عن فوائد رحلة ابن رشيد.

معنى القتال في سبيل الله وأنه أعلى أنواع الجهاد عند ابن تيمية

إذن وكأيّن من نبي تؤكد حقيقة إرسال الرسل والنبوة عبر التاريخ. قاتل معه [أي مع النبي] والذين قاتلوا معه هؤلاء في سبيل الله.

ما معنى ذلك [القتال في سبيل الله]؟ إنهم طلبوا بذلك وجه الله. وما في ذلك؟ إن تجود بنفسك لله. كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فالجهاد في سبيل الله أعلى أنواع الجهاد؛ لأنك جُدت بنفسك في سبيل الله.

هل يوجد بعد ذلك شيء؟ هذا يقول له: يا رب أنا ها هنا في سبيلك، لدرجة أنه يمكن أن أموت في سبيلك. هل يوجد بعد ذلك شيء؟ لا، المال ولا السلطان ولا التخلي عن الدنيا والزهد يكون بمعنى شيء مثل هذا [أي مثل بذل النفس في سبيل الله].

صفة الربانيين الذين لم يهنوا ولم يستكينوا والاقتداء بهم

ولذلك قال: ربيون كثير أي ربانيون أي يبتغون [وجه الله] سبحان الله وتعالى.

﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا ٱسْتَكَانُوا وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]

حقيقة، فكونوا مثلهم. استمرار [في الثبات والصبر].

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

هذه حقيقة فكونوا مثلهم، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. استمروا دائمًا، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.