سورة آل عمران | حـ 512 | 159 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 512 | 159 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح الآية الكريمة "فبما رحمة من الله لنت لهم" في سورة آل عمران، موضحاً أن "ما" زائدة للتأكيد، والمعنى فبرحمة من الله.
  • الرحمة التي منحها الله للنبي صلى الله عليه وسلم جعلته ليناً مع أمته، وهذا اللين من فضل الله عليه لا من ذاته.
  • لو كان النبي فظاً غليظ القلب لتفرق الناس من حوله، فأخلاقه العظيمة سبب في التفاف الناس حوله.
  • كان النبي صبوراً وخلوقاً ورحيماً، يترك يده للأطفال حتى يلعبوا بها، ولا يغضب ممن يرفع صوته عليه.
  • اتصف بالكرم الشديد حتى قال عنه سفيان: "والله يا رسول الله ما هذا إلا إنفاق نبي".
  • تختلف قوانين التربية النبوية عن نظريات الإدارة الحديثة، فالقيادة النبوية تعتمد على اللين والرحمة لا على الفظاظة والغلظة.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية اللين والرحمة من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى لسيد الخلق وصفًا له ولأمته وللعالمين إلى يوم الدين:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

معاني كلمة ما في لغة العرب وأنها تأتي على ستة وثلاثين معنى

فبما رحمة، يعني ماذا؟ «ما» في لغة العرب لها ستة وثلاثون معنى؛ لها ستة وثلاثون معنى. فـ«ما» بمعنى الذي وهي «ما» الموصولة، و«ما» المصدرية، و«ما» النافية.

وفي «ما» من ضمن الستة والثلاثين زائدة، أي لا تُؤثِّر في الحرف الذي قبلها أن يعمل فيما بعدها، أي زائدة معناها هكذا.

إعراب ما الزائدة في قوله تعالى فبما رحمة من الله وأثرها النحوي

أي ماذا؟ أي فبما رحمة، أي فبرحمة. لو حُذفت «ما» فالباء تكسر كلمة «رحمة»؛ ما هو الباء حرف من حروف الجر، إذن هذا حرف من حروف الجر، إذن يكسر الذي بعدها.

فبما رحمة: «ما» هنا زائدة في النحو، وإنما في المعنى قال [العلماء]: هذا المعنى يبقى، يأتي للتأكيد، يأتي للتأكيد.

أمثلة على ما الكافة عن العمل في إنما وكيفما وحيثما وغيرها

وفي «ما» تكفّ عن العمل، وهكذا في:

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات: 10]

يبقى «إنّ» ذهبت، أين «ما»؟ هو «ما» هذه كفّتها عن العمل. وفي كيفما، حيثما، طالما، ربما ورُبَّما قراءتان.

وكانوا قديمًا -ما أعرف الآن يمكن ما يقولونها- يقول [أهل اللغة] «شَدَّما»، اللغة الخاصة بالثلاثينيات والعشرينيات تقول لك: «شَدَّما» مثل «طالما» كذلك، «شَدَّما حدث كذا».

معنى ما الزائدة في الآية وأنها للتأكيد لا لعدم الفائدة

طيب، فبما تبقى هذه: فبرحمة من الله لنت لهم على سبيل التأكيد. وجاء على سبيل التأكيد من أين؟ من «ما».

هذه «ما» زائدة في العمل في النحو، يعني عندما تحذفها يُعرَب الكلام معك صحيحًا. إذن زائدة ليست زائدة أي لا معنى لها، ليست زائدة أي [لا فائدة منها]، بل هي زائدة في العمل النحوي [فقط].

يكون معناها: فبرحمة من الله لنت لهم، إنما هي لها غرض، لها لزوم.

الفرق بين فبرحمة وفبما رحمة ودور ما في التأكيد عند العرب

فبرحمة من الله لنت لهم، غير فبما رحمة من الله لنت لهم، ما الفرق؟ إن هذه [«ما»] قليلًا تُؤكِّد، أي بدلًا من أن يقول: «فبرحمة من الله لنت لهم»، أكيد هذا الكلام أكيد.

بدلًا من كلمة «هذا الكلام أكيد»، سوف يأتي لك بـ«ما»؛ يأتي بـ«ما». العربي يسمع «ما» يفهم أن هذا الكلام أكيد، يعني معناه هكذا، هذا التوكيد.

الرحمة الإلهية هي سبب لين النبي ﷺ وليس بحوله وقوته

فبرحمة من الله، إذن الرحمة، فبسبب رحمة من الله لنت لهم. إذن رحمة ربنا هي التي [جعلته لينًا]، لا يبقى هو لا حول ولا قوة بيده، إنما الحول والقوة بالله.

يبقى الأمر بيد الله، والله سبحانه وتعالى هو الذي جعله هكذا وأرسله هكذا وكلّفه ووفّقه صلى الله عليه وسلم هكذا.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: 128]

ليس لك [يا محمد] شأن [في ذلك].

لين النبي ﷺ صفة ربانية خلقها الله فيه ليلتف حوله المؤمنون والعالمون

فبما رحمة من الله لنت لها، وأنت تظن أن اللينة هل تشعر بها من تلقاء نفسك؟ لا، أنا الذي خلقتها فيك من أجل أن يلتفّ حولك المؤمنون بل العالمون إلى يوم الدين.

ولذلك سيد الخلق هذا لو عرفه الناس لعضّوا على سنته بالنواجذ. النواجذ التي هي ضروس العقل، النواجذ بالداخل، عندما تعضّ عليها بالنواجذ معناها ما هو؟ أي تتشبّث بها بيديك وأسنانك، معناها كذلك بالنواجذ.

صور من لين النبي ﷺ مع الأطفال وصبره على الناس

فبما رحمة من الله لنت لهم، فكان صبورًا وكان خلوقًا وكان رحيمًا.

وكان يترك يده لبنات بني النجار يَطُفْنَ به في المدينة، لا ينزع يده من إحداهن من البنات الصغيرات حتى تقضي حاجتها ومرادها، يعني حتى يصبح مزاجها أن تذهب تلعب في مكان آخر هكذا.

إذن هو هذا فارغ؟ ما هو خلقته هكذا، لا يعرف أن يعمل إلا هكذا صلى الله عليه وسلم.

موقف النبي ﷺ مع الدائن الذي رفع صوته عليه وتعليمه لعمر

ويدخل عليه الرجل فيشتدّ في الكلام فلا يرفع [النبي ﷺ] صوته. ويأتيه من دائنه بشيء صلى الله عليه وسلم فيرفع [الدائن] صوته عليه، هو ﷺ لا ينتبه، يرفع صوته على من [على رسول الله ﷺ]!

فينظر عمر [رضي الله عنه] إليه: ها! دعني أُحضر لك عنق هذا الرجل يا رسول الله! قم [يا عمر].

سيدنا رسول الله ﷺ يُعلِّم عمر ويُعلِّم الأمة من بعده أن أحسنكم أحسنكم قضاءً. الرجل صاحب حق فليتركه يفعل ذلك، ليتركه؛ صاحب الحق ذا سلطان.

كرم النبي ﷺ مع صفوان بن أمية وإعطاؤه واديًا من الإبل

وكان صلى الله عليه وسلم كريمًا حتى أنه لمّا أعطى العطية لصفوان بن أمية قال: يا رسول الله، لا يُعطي هذه العطية إلا نبي! آه، انظر.

وجد واديًا مليئًا بالإبل، والإبل مهمة عند العرب وغالية. فيقول له [النبي ﷺ]: لمن هذا؟ قال: هو لك. ما هذا! ينفق من لا يخشى الفقر، هذا لا ينفع إلا أن يكون هذا من عند الله.

قال له [صفوان]: والله يا رسول الله، ما هذا إلا إنفاق نبي. انظر، هذا هو عدوّ! نعم.

الرد على نظريات الإدارة الحديثة بأن سيد الخلق له قوانين ربانية أخرى

فبما رحمة من الله لنت لهم، حسنًا، الإدارة، دعونا نسمع إذن النظريات.

الإدارة تحتاج إلى الحزم وتحتاج إلى شيء من لا أدري من ماذا وكلام كذلك. قال له [الله تعالى]:

﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]

رقم واحد: غليظ القلب من حولك لا تنفع هنا نظريات الإدارة الخاصة بتايلور. لا، سيد الخلق الذي يُربّي الناس له قوانين أخرى.

ومع هذه القوانين، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إلى لقاء آخر.