سورة آل عمران | حـ 525 | 169 - 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، كما أخبر الله تعالى في سورة آل عمران، وهم في حواصل طيور خضر في الجنة.
- •لا يُصلى على الشهيد لأنه دخل الجنة بالفعل، فغرض الصلاة قد تحقق، فالشهيد هو من يشفع للأحياء يوم القيامة.
- •كلمة "عند ربهم" تشمل المكان والزمان والحكم، فهم عند الله في كل هذه المعاني ويرزقون رزقاً يسعد أرواحهم.
- •الشهداء فرحون بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم.
- •يخبر الشهداء من لم يموت بعد أن لا خوف عليهم ولا حزن، ويدعون لهم بالبشرى والنعمة والفضل.
- •الميت الصالح يرى الأحياء وهم يبكون عليه بينما هو فرح بما وصل إليه، وقد خرج من ضيق الدنيا وهمومها.
- •نعيم الجنة واسع، فيها ما تشتهي الأنفس، وتحصل على ما تتمناه فوراً دون تعب أو عناء.
مقدمة وتلاوة آية الشهداء من سورة آل عمران وبيان حالهم في الجنة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبرنا أنهم [أي الشهداء] في حواصل طير خضراء في الجنة. فالشهداء سبقونا إلى الجنة.
سبب عدم الصلاة على الشهيد لأن غرض الصلاة قد تحقق بدخوله الجنة
ومن هنا فإنه لا يُصلَّى على الشهيد. أنت تصلي على الميت، لماذا؟ لكي تدعو له: يا رب ارحمه. الشهيد رحمه الله بالفعل، يا رب اغفر له، هو بالفعل دخل الجنة.
يعني نحن في صلاة الجنازة نتشفع إلى ربنا سبحانه وتعالى، نتشفع إلى ربنا أن يعفو وأن يغفر للمرحوم، هذا للميت [العادي]. ما [دام الشهيد قد] شُفع بالفعل ودخل الجنة، أنت تفعل ماذا؟
فقال لك [العلماء] أنه لا يُصلَّى على الشهيد؛ لأن غرض الصلاة [وهو الدعاء والشفاعة] تمّ فعلًا. ستقول ماذا في الصلاة؟ يا رب أدخله الجنة، أدخله بالفعل، هو في الجنة. اغفر له، بالفعل غُفر له. ارحمه، هو رُحم، خلاص.
الشهيد يشفع لأهله وأحبابه يوم القيامة لأنه سبق إلى الجنة
الذي في حاجة إلى الشهيد؟ أنا الذي ما زلت حيًّا؛ لأنه [الشهيد] دخل الجنة، فهو الذي سيشفع لي يوم القيامة: يا رب سامح أبي، سامح أمي، اغفر [لـ]أخي، سامح صديقي، سامح جاري، هكذا.
فهو يشفع لنا في يوم القيامة، فهو من الشفعاء يوم القيامة.
معنى كلمة عند ربهم بين ظرف الزمان والمكان والحكم الإلهي
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 169]
وكلمة «عند» تُستعمل لظرف الزمان، وتُستعمل لظرف المكان، وتُستعمل للحكم؛ أي في حكم ربهم. «عند ربهم» يعني في اعتبار الله، في حكم الله، هم في الجنة.
وليس عند ربهم فحسب، بل عند ربهم زمانًا ومكانًا وحكمًا ويُرزقون. وليس الأمر كذلك فقط معلّقين كبقية الأرواح [التي تنتظر] يوم القيامة، لا، بل من هنا إلى يوم القيامة يُرزقون؛ بأن الطائر الأخضر الذي هم في حوصلته يأكلون ويشربون في الجنة.
فرح الشهداء بنعمة الله وسعادة أرواحهم ومعنى فرحين بما آتاهم الله
فكذلك جرى عليهم رزق يُسعد أرواحهم، وهذه السعادة تصنع فيهم فرحًا، فقال [الله تعالى]:
﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 170]
هذه أول شيء [من أحوال الشهداء]. ولذلك من دعاء الصالحين يقول لك: ربنا يفرح قلبك. عندما يكون قلبك فرحًا هكذا فإنك تشعر بالراحة والحلاوة، ربنا يفرح قلبك.
﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 170]
هذه النقطة الأولى [من أحوال الشهداء في البرزخ].
استبشار الشهداء بالأحياء ونظرهم إلينا من البرزخ ودعوتهم لنا
النقطة الثانية:
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170]
هم أصبحوا في الأعلى في البرزخ، ينظرون إلينا ويقولون: لماذا لا تأتون؟ تعالوا، الله يهديكم، تعالوا! أأنتم خائفون أم ماذا؟ تعالوا، فليس هنا خوف ولا حزن.
إذن أيضًا الميت، خاصة إذا كان من أهل الصلاح، يفعل هكذا [ينظر إلينا]، فيكون قد صعد إلى الأعلى ويرانا ونحن جالسون نبكي، وهو فرِحٌ ويضحك علينا. ليس يضحك علينا بمعنى أنه يخدعنا، بل يضحك علينا يقول: الله إنكم لا تنتبهون! ها هو يضحك لنا يا إخواننا، إنكم لا تنتبهون، إنكم تبكون عليّ وأنا فرِحٌ هنا، وليس هناك حزن وليس هناك خوف ولا شيء.
رسالة الشهداء للأحياء بعدم الخوف من الموت والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها
إنكم تخافون من الموت فلا تخافوا من الموت، فهنا شيء آخر. لقد خرجت من ضيق الدنيا حتى السعة، ومن النكد والعوارض التي تخصّ الدنيا: مرة مريض، مرة مديون، مرة متعب، مُجهَد، مرة منهزم، مرة كذا، إلى أن عرفت فيها الحقيقة.
فإذن:
- رقم واحد: سيفرحون.
- رقم اثنان: سيعرفون الحقيقة.
- رقم ثلاثة: سيطلبون البشرى لنا؛ أي يدعون لنا.
معنى استبشار الشهداء وطلبهم البشرى والدعاء لمن بقي حيًّا في الدنيا
ويستبشرون أي يطلبون البشرى. وطلب البشرى معناه ماذا؟ هو معناه دعاء ممّن هم [في الأعلى]، يطلبون من ربهم.
﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم﴾ [آل عمران: 170]
الذين ما زالوا أحياء في الدنيا، ويقولون لهم فقط: تعالوا.
﴿مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170]
فماذا لو ذهبنا إليهم نفعل؟ قال [الله تعالى]:
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 171]
يستبشرون بماذا؟ يستبشرون بهذا، يستبشرون بنعمة من الله وفضل؛ أي يقولون له: يا رب، النعمة التي جعلتنا فيها هذه أيضًا أعطها لإخواننا هؤلاء الذين تحت [في الدنيا] والذين لم نخرجهم [من الدنيا] بعد.
سعة ملك الله تعالى ونعيم الجنة الذي لا ينقص من ملكه شيئًا
وربنا سبحانه وتعالى واسع كبير، له ما في السماوات وما في الأرض. لو يعطيك في الجنة عشرة أمثال حجم الكرة الأرضية لا ينقص ذلك من ملكه شيء، لكل واحد.
طيب، هذا نحن هنا [في الدنيا] لو مشينا حتى آخر الشارع نتعب، فما بالك عندما تكون معي الأرض بل عشرة أضعافها ملكًا لي وحدي؟ القطعة الخاصة بي، يعني ماذا أفعل إذن؟
قال لك: لا، ما هو في الجنة شيء آخر؛ تتمنى فتذهب إلى أمنيتك. بمعنى أنك تتمنى أن تذهب إلى أمريكا فتجد نفسك في أمريكا على الفور، لا يوجد زمن. طيب أذهب إلى اليابان، تجد نفسك في اليابان، ولكن لا يوجد أي مشي مثل هنا [في الدنيا] ورجلك تتعب وتنكسر وتُصاب، لا، شيء آخر [تمامًا].
الدعاء بدخول الجنة والحمد لله على نعمة الإسلام والختام
فربنا يدخلنا الجنة، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
وإلى لقاء آخر شيء، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
