سورة آل عمران | حـ 548 | 190 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يستدل القرآن الكريم في سورة آل عمران على وجود الله ووحدانيته وحكمته من خلال آيات الكون.
- •في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار دلائل واضحة لأصحاب العقول السليمة، فالأثر يدل على المسير.
- •مبدأ القصور الذاتي الذي يعتمده العلماء يثبت وجود محرك أول، فالأشياء لا تتحرك من تلقاء نفسها.
- •الكون البديع المتقن بهذا النظام المحكم لا يمكن أن يكون وليد الصدفة.
- •أورد المتحدث مثال صندوق الحروف في المطبعة للتدليل على استحالة تشكل قصيدة بالصدفة عند سقوط الحروف.
- •دقة النظام الكوني، كالمسافة بين القمر والأرض والشمس، مضبوطة بإحكام فائق، فلو تغيرت قليلاً لهلكت الأرض.
- •المنكرون لوجود الله رغم وضوح الأدلة الكونية يغلقون عقولهم رغم ادعائهم التفكير العقلاني.
- •الآيات الكونية متعددة ومتنوعة، وهي دلائل واضحة لكل متأمل.
مقدمة الدرس وتلاوة آية آل عمران في خلق السماوات والأرض
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يلفتنا إلى الدليل على وجوده، على حكمته، على وحدانيته، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
فالله سبحانه وتعالى تجلى على هذا الكون، وإن كان الرب ربٌّ والعبد عبدٌ وهناك فارق بين المخلوق والخالق:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 190]
دلالة الأثر على الخالق وقانون القصور الذاتي عند الفيزيائيين
إن في خلق السماوات والأرض [دلالةً واضحة]؛ فـالأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير. وهذا أمر راسخ في فطرة البشر.
وهذا الذي يسميه علماء الفيزياء عندما جاؤوا وأزالوا وجود الإله من دراستهم: القصور الذاتي. يعني عندما نضع هذا الكرسي هنا ونأتي في اليوم التالي فنجده قد تحرك إلى هنا [مكان آخر]، فيكون هناك من حرّكه.
هذا هو القصور الذاتي، والقصور الذاتي معناه: ما هو سبب الحركة؟
التأمل في السماء والكواكب والنجوم كدليل محسوس على وجود الخالق
حسنًا، وأنا هكذا جالس أتفرج فوجدت سماءً وفيها كواكب، وتمكنت من [أن أرى] أن فيها أيضًا نجومًا، وإن هناك فرقًا بين النجم والكوكب؛ هذا [الكوكب] مثل الأرض، والنجم هذا مثل الشمس.
شيء مرئي، إنه شيء محسوس وليس غائبًا. هو [الله] في ذاته سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، عيني لن تراه، لكن الأثر هذا [المشاهد في الكون] يبقى.
مع القصور الذاتي الذي تقولونه عليه [أيها الفيزيائيون]: من الذي فعله؟ قال لك: ما الذي فعله لا نعرفه. في النهاية تمامًا فقال لك: الذي فعله هذا لا نعرفه. من هو؟ نعم، تائه!
الفرق بين الباحث التائه والباحث المؤمن الذي يعرف خالقه
إذن طيب، أنا أعرف هذا: الله الذي فعله. انظر الفرق بين واحد جالس يبحث وهو تائه، وواحد يبحث أيضًا لكنه يقظ ويعرف أنه هذا [الكون] الذي خلقه ربنا.
في ماذا قال [المنكر]؟ حسنًا، ربما هذه الأشياء صنعت بنفسها هكذا. حسنًا، صنعت بنفسها فخرج هذا الكون البديع!
هذا الكون ليس شيئًا هكذا فحسب، ليس الكرسي تحرك من هنا إلى هناك؛ ربما زلزال هو الذي حركه، ربما نسيم أتى وحركه، هذا وارد، ليس إنسانًا يعني. ولكن هذه كانت قطعة خشب ثم أصبحت كرسيًا، ثم تم تبطينها بقماش، ووُضع في القماش سحّاب حتى يُرفع ويُوضع لكي يُغسل. يعني كل هذا ليس صدفة.
مثال صندوق الحروف في المطبعة الأميرية للرد على دعوى الصدفة
فقال له: حسنًا، أريد أن أسألك سؤالًا واحدًا فقط. قال له: اسأل. قال له: كان هناك مطبعة، وهذه المطبعة فيها شيء يسمى صندوق الحروف.
وصندوق الحروف هذا كان في المطبعة الأميرية قديمًا. صندوق الحروف فيه ألف وسبعمائة خانة؛ لأن الكاف تُرسم في أول الكلمة بشكل مختلف عن وسط الكلمة، مختلف عن آخر الكلمة، مختلف عندما تكون منفصلة، مختلف عندما تكون متصلة مثلًا.
فصندوق الحروف الذي كانت تعمل عليه المطبعة الأميرية قديمًا ألف وسبعمائة [خانة]، وعندما طوّروه كثيرًا أصبح أربعمائة وخمسين خانة.
سقوط صندوق الحروف وتشكّل قصيدة كاملة بالصدفة دليل على استحالة ذلك
فلدينا صندوق حروف مثل هذا، فحدث أن هزّه أحد أم لم يهزه أحد؟ هذا هو: لم يهزه أحد، هذا هو اهتزّ وحده وسقط على الأرض.
فذهب [أحدهم يقول]: سبحان الله! لا، لن نقول سبحان الله، لن نقول سبحان الله. هو في الأصل اهتزّ وحده وسقط وتكوّنت الحروف، وأصبحوا يضعون الكشيدة التي هي الشرطة هذه، أو المسافة التي هي الفراغ، أو لا أدري ما يسمونه أهل المطبعة، فعمل شيئًا كذلك.
فجئنا نقرأها فوجدناها:
أَمِن تَذَكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمٍ... مَزَجتَ دمعًا جرى من مُقلةٍ بدمِ أم هبّت الريحُ من تلقائك ظمأى... وأومض البرقُ في الظلماءِ من أَضَمِ فما لعينيك إن قلتَ اكفُفَها هَمَت... وما لقلبك إن قلتَ استفق يَهِمِ
من يدّعي أن الكون وُجد بالصدفة كمن يدّعي أن قصيدة طُبعت وحدها
ماذا؟ نعم! وبعد ذلك وجدت أُضَم هذا مكان بجوار المدينة [المنورة]. سبحان الله! لا، انتظر قليلًا، وكل هذا ومطبوع على ورق فاخر ولم يصنعه أحد!
ما رأيك فيمن يقول لك هكذا؟ ألا تقول عليه مجنون؟ والله إن الملاحدة هؤلاء مجانين! والله هذا يُضيّع الأعمار يا إخواننا.
الله هو الذي خلق، وكل شيء سهل [في فهمه]. في أمانة الله، أيُّ الدخول في كلام المجانين! كلام المجانين لا يخرج عن كونه كلام مجانين.
دقة المسافات الكونية بين القمر والشمس والأرض دليل على الإتقان الإلهي
هذا القمر لو اقترب قليلًا لهلكت الأرض بالجزر والمد والأشياء ولا أدري ماذا وغرقت، ولو ابتعد قليلًا لهلكت الأرض. الشمس تتقارب قليلًا وتتباعد قليلًا، كل ذلك هكذا [بنظام دقيق].
وهذا شيء متقن زائد عن الحاجة، فكيف إلا أن نؤمن بالله رب العالمين؟
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [آل عمران: 190]
فهذه نراها: هذا الليل يأتي بعد النهار، والنهار يأتي بعد الليل، والليل يأتي بعد النهار، والنهار يأتي بعد الليل، وهكذا سبحان الله وبنظام لا يتخلف.
الآيات الكونية لأولي الألباب ومن أغلق عقله فهو كالمجنون
لآيات وليس آية واحدة، لأولي الألباب. فأما الذي أقفل لُبّه ويقول: أنا أفكر بالعقل، فهذا شبه مجنون. هذا يُضيّع أعمارنا [في الجدال معه].
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
