سورة النساء | حـ 563 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 563 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يؤكد القرآن الكريم في سورة النساء أن الأسرة في الإسلام تتكون من رجل وامرأة، وليس من مثليين، إذ حرم الله الشذوذ الجنسي لمخالفته للفطرة.
  • اجتمع ممثلو أكثر من ثلاثين دينًا في بلجيكا عام 1994، وأجمعوا على رفض هذا الفساد، سواء كانوا من أتباع الأديان السماوية أو الوضعية.
  • يستنكر محاولة فرض رأي الأقلية على ستة مليارات إنسان في الأرض، واعتبار الشذوذ من حقوق الإنسان.
  • حقوق الإنسان الحقيقية تشمل حفظ كرامته والمحاكمة العادلة والعمل والصحة والتعليم وعدم التعذيب، وليس الإفساد في الأرض.
  • أجمع المسلمون على أن الحد الأقصى للزواج هو أربع نساء، استنادًا إلى قوله تعالى "مثنى وثلاث ورباع"، وهذا الإجماع يمنع التفسيرات الخاطئة للآية.
  • يؤكد على أهمية الإجماع في فهم النصوص الشرعية ومنع التفسيرات المخالفة لمراد الله ورسوله.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

تأسيس الأسرة في الإسلام من رجل وامرأة وتحريم الشذوذ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]

وهنا يقرر ربنا سبحانه وتعالى أن الأسرة في الإسلام تتكون من رجل ومن امرأة، وأن الأسرة لا يجوز أن تتكون من مثلين. فحرّم الله سبحانه وتعالى الشذوذ، وهو أن يتزوج الرجل بالرجل وأن تتزوج المرأة بالمرأة؛ فهذا عبث يضاد الخلقة.

وبُنيت سورة النساء على إنكار هذا العبث على من يريد أن يعبث به، ولم نكن نظن في يوم من الأيام أن ذلك ينتشر بين العقلاء أو بين الناس، حتى انتشر في العالم وعدّه كثير من المفسدين من حقوق الإنسان: أن يشذّ في خلقته، وأن يعترض على ربه، وأن يفسد في كونه.

إجماع قيادات الأديان في بلجيكا على إنكار الشذوذ الجنسي

وطالبوا الناس أن يعدّوهم [أي الشذوذ الجنسي] من حقوق الإنسان، حتى لوّثوا هذه الكلمة الجليلة الكريمة [حقوق الإنسان]، وخالفوا كل الأديان التي على وجه الأرض.

أذكر أنه قد اجتمع أكثر من ثلاثين من قيادات الأديان في بلجيكا في سنة أربع وتسعين [1994م]، واجتمع هؤلاء الناس فأقرّوا جميعًا بأنهم ينكرون هذا الفساد، قيادات أكثر من ثلاثين دينًا.

وأحدهم يقول لي: هل يوجد ثلاثون دينًا أصلًا؟ توجد أديان كثيرة، بعضها سماوي وبعضها وضعي. اجتمعت الأديان السماوية والوضعية، وكل من له دين وملة، حتى الوثنيون اجتمعوا وقالوا: ما هذا؟ إنه فساد.

رفض جميع العقلاء والأديان للشذوذ وتسلط القلة على الأغلبية

فالعقلاء جميعهم ليسوا مسلمين فحسب، لا، بل مسلمون وغير مسلمين، وليسوا مسيحيين فقط، وليسوا يهودًا فقط الذين هم مثلًا أصحاب الأديان السماوية أصحاب الكتب، لا أبدًا، بل البوذيون والهندوس والشنتو والتنياسيكيو وأسماء لا نعلم شيئًا [عنها]، اجتمعوا وقالوا: ما هذا؟ هذا فساد في الأرض.

ستة مليارات يقولون هذا فساد، وخمسمائة أو لا شيء [من الناس] يقولون: لا، ويريدون أن يُمضوا رأيهم على الستة مليارات. فهذا نوع من أنواع التسلط والهيمنة لم نره في الأمم السابقة من قبل.

دلالة قوله تعالى من النساء على رفض الزواج المثلي في كل الأديان

﴿مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 3]

وليس "ما طاب لكم" وانتهى الأمر ونكون أسرة مثلية، لا، هذا لا يرضى عنه الله سبحانه وتعالى في كل كتاب منزّل، وفي كل قول مأثور عن كل الأنبياء والأتقياء والصالحين والمفكرين والفلاسفة والأخلاقيين عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، ولكن هذا عمى قلب.

حكمة تقييد الآية بلفظ النساء ودلالتها على صلاحية القرآن لكل زمان

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 3]

سبحان الله، يعني قبل هذا البلاء [انتشار الشذوذ] كان أحد يقول: الله، طيب لماذا "من النساء"؟ أليس هذا زيادة؟ يقول هكذا [أي يظن أن ذكر النساء تحصيل حاصل]. نقول له: إن القرآن هذا لكل زمان ومكان، ظهرت فائدة "من النساء" الآن.

لم يكن أحد يتصور هذا الكلام [أي الزواج المثلي]، حتى قوم لوط لما انحرفوا وعصوا كان على أساس أنه عصيان، يعني هم يعلمون أنه عصيان، مثل الذي يشرب الخمر وهو يعلم أنه يرتكب معصية فيقول: يا رب تُب عليّ.

الفرق بين معصية قوم لوط وادعاء الشذوذ حقًا من حقوق الإنسان

قوم لوط أيضًا كانوا كذلك، يفعلون هذا [الشذوذ] وهم يفهمون أن هذه معصية وأن هذا انحراف، وأنهم يعادون نبي الله لوطًا [عليه السلام].

ولكن يا أخي، هؤلاء [دعاة الشذوذ في زماننا] يقولون لك: إن هذا من حقوق الإنسان! حسنًا، حقوق الإنسان يجب أن تكون متفقًا عليها، يجب أن يُتّفق عليها؛ فإذا اختُلف فيها فلا تعود من حقوق الإنسان.

بيان حقوق الإنسان الحقيقية وأنها لا تشمل الإفساد والشذوذ

فمن حقوق الإنسان حفظ كرامته، ومن حقوق الإنسان المحاكمة العادلة، ومن حقوق الإنسان أن يجد عملًا، ومن حقوق الإنسان أن لا يُهينه أحد وأن تُحفظ كرامته، ومن حقوق الإنسان أن نحرّم التعذيب للجسد البشري.

حقوق الإنسان أن نعلّمه، أن نرعاه في الصحة، أن نعتبره إنسانًا، وهكذا. ليس من حقوق الإنسان قلة الأدب والحياء وقلة العقل والإفساد في الكون.

حقوق إنسان كيف؟ حقوق الإنسان تحافظ على الإنسان وليس تدمّر الإنسان، تحافظ على الأمن والسلام، تحافظ على الاجتماع البشري.

هذه حقوق الإنسان: حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ الدين، حفظ كرامة الإنسان، حفظ مال الإنسان وملكه، ألّا يعتدي أحد على ملكي ولا على نفسي. وهكذا هي حقوق الإنسان.

أما حقوق الإنسان في إضاعة الحقوق وفي أن نفعل شيئًا يفسد الكون ويدمّر ولا يعمّر، فهذا ليس من حقوق الإنسان.

إجماع المسلمين على أن أقصى عدد للزوجات أربع وأهمية الإجماع

ثم يقول [الله تعالى]:

﴿مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]

أي اثنان اثنان، ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وهنا أجمع المسلمون على أن نهاية ما يتزوج الرجل ممن يحلّ له الزواج بهن الخاليات من الموانع الشرعية أربع، وهذا إجماع.

والإجماع هذا ما فائدته؟ قال: فائدته ألّا تستنبط من النص معنى يقضي على الإجماع بالبطلان.

ما معنى هذا الكلام؟ كيف يقضي على الإجماع بالبطلان؟ يأتي إليّ أحدهم ظريف ويقول لي: هؤلاء تسعة! اثنان وثلاثة وأربعة، اثنان وثلاثة خمسة وأربعة يكون تسعة.

ما [هذا]؟ لا يصلح. لماذا؟ ما [هذا]؟ لا يصلح. لماذا؟ لأن الإجماع يقول أربعة فقط. فهموا من النص هذا أربعة فقط؛ يكون الواو هنا ليست لمطلق الجمع.

الرد على من يستنبط من الآية أكثر من أربع زوجات وخطورة إنكار الإجماع

أحدهم ظريف آخر يأتي يقول لي: صاحب هذا ثمانية عشر! أقول له: لماذا؟ يقول لي: اثنان وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة تسعة، وتسعة [مرتين] ثمانية عشر!

وواحد ظريف ثالث - هذا كله هذا من قلة العلم وقلة التدين أيضًا - يقول لي: لا، هذا هو ربنا ضرب مثلًا بهذا، مثنى وثلاث ورباع يعني وخماس وسباع وعشار، يعني أي شيء.

لا يصلح. لماذا؟ ما الذي لا يصلحه؟ الإجماع.

وهنا تأتي خطورة الإجماع وتأتي أهمية الإجماع. ونلتفت لمن يريد أن يقول أنه ليس هناك إجماع في دعاوى كذلك، يقول لك: لا يوجد إجماع.

طيب وبعد ذلك ستفعل ماذا؟ هنا ستترك الناس تفهم هكذا كما تريد، هذا مخالف لما أراده الله ورسوله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.