سورة النساء | حـ 562 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 562 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يتحدث القرآن الكريم في سورة النساء عن تنظيم العلاقات الاجتماعية، خاصةً بين الرجل والمرأة.
  • ورد موضوع تعدد الزوجات في سياق الشرط: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع".
  • السياق الأساسي للآية يتعلق برعاية اليتيمات والعناية بهن، وليس مجرد قضاء الشهوات.
  • الشرط في الآية "إن خفتم" يدل على أن الخوف سبب للإباحة، فيستفاد من وجود الخوف إباحة الزواج ومن عدمه منعه.
  • دين الإسلام أوسع من فهم المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة.
  • لا ينبغي للمسلم أن يحول نموذجه الشخصي إلى دين ويفرضه على الآخرين.
  • عبارة "مثنى وثلاث ورباع" تعني اثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً، بما يسمح للمسلم بالزواج من اثنتين أو ثلاث أو أربع.
  • الإسلام يستوعب ثقافات أهل الأرض جميعاً ويخاطب كل البشر إلى يوم الدين.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في تنظيم القرآن للعلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو ينظّم العلاقات الاجتماعية ويضع لها أسسًا، باعتبار أن العلاقات الاجتماعية مآلها إلى العلاقة بين الرجل والمرأة.

وينظّم الله سبحانه وتعالى هذه العلاقة على مستوى الرجل والمرأة في أصل الخِلقة، ثم على مستوى الرجل والمرأة في الأسرة.

آية التعدد في سورة النساء وسياقها المتعلق برعاية اليتامى

يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3]

وهنا نرى تلك القضية التي اختلف فيها أهل الأديان، وهي قضية التعدد [تعدد الزوجات]. ونرى القرآن الكريم وقد ساقها في صورة الشرط:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]

ولم يجعلها [أي قضية التعدد] على أساس الحكم الأصلي، ولكنه نبّه على الحكم الأصلي في سياق علاقة اجتماعية أخرى هي رعاية اليتيم.

إباحة التعدد لرعاية اليتيمة لا لقضاء الشهوات

فعندما تنشأ اليتيمة في أسرة ويُخاف عليها العنت، فإن الله سبحانه وتعالى أباح أن تتزوج هذه اليتيمة، وأكّد على زواجها حتى من رجل متزوج؛ حتى تتم الرعاية والعناية.

فالأساس هو الرعاية والعناية، فالكلام كلام يتعلق برعاية اليتيم. وهذا [السياق القرآني] أمرٌ يخالف حمل هذا التعدد على قضاء الشهوات أو على نوع من أنواع التمتع يفعل به الرجل ما يشاء، وينقله [أي ينقل التعدد] إلى درجة إنسانية عالية. هذا هو سياق وسِباق القرآن.

خطاب القرآن يستوعب جميع ثقافات البشر وأديانهم إلى يوم الدين

وإن كان التفسير يأتي فيُفسَّر بتفاسير أخرى، ولكن كلام الله سبحانه وتعالى الذي يخاطب به العالمين إلى يوم الدين بجميع عقلياتهم وثقافاتهم، بجميع عاداتهم وتقاليدهم، بجميع أديانهم السابقة على الإسلام لمن أراد منهم أن يدخل الإسلام، هذا هو سياقها.

ولذلك فإن هذا السياق في ظني يستوعب ثقافات أهل الأرض جميعًا، ولا ينحصر الإسلام في المسلمين. وفهم المسلمين الذين نشؤوا عليه ليس خطأً، لكنه صورة من صور هذه الآية، وهذه الآية لها صور كثيرة، منها ما فهمه المسلمون وطبّقوه في حياتهم.

دين الإسلام أكبر من عادات المسلمين وتقاليدهم وأعرافهم

وعلى ذلك فإن المسلم لا يفرض عاداته وتقاليده على العالمين؛ لأن دين الله أكبر من المسلمين، ومن علماء المسلمين، ومن عوائد المسلمين، ومن تقاليد المسلمين وأعرافهم، ومن كل المسلمين في عصر ما.

بل إن دين الإسلام أعلى من ذلك؛ لأنه يخاطب كل الناس وكل البشر إلى يوم الدين. وهذا هو الذي يجب أن يتحلى به المسلمون في عصرنا الحاضر: أن يعلموا أن ما اعتادوا عليه من عادات وتقاليد، ومن رغبات وانطباعات، ليست هي فقط دين الإسلام، بل إن دين الإسلام أوسع من ذلك.

لا تكن حجابًا بين الخالق والخلق بفرض نموذجك على الناس

نعم، لا يُحكم على عاداتك بالبطلان، ولا يُطالبك [الإسلام] بأن تغيّرها أو أن تخرج من طبيعتك وما اعتدت عليه. ولكنك أيضًا لا تُضيّق على خلق الله في أفهامهم، ولا تكن حجابًا بين الخالق والخلق، ولا تكن مانعًا من دخول الناس في الإسلام بنموذجك الذي تحوّله إلى دين وتقول إن هذا هو دين رب العالمين.

لا، هذا [النموذج الذي تعتاده] مباح في دين رب العالمين، لكنه ليس هو دين رب العالمين بتمامه؛ فإن دين رب العالمين سبحانه وتعالى يستوعب البشر أجمعين إلى يوم الدين.

معنى الشرط اللغوي في الآية وأثره في فهم حكم التعدد

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: 3]

والشرط في لغة العرب على محل السبب.

ماذا يعني الشرط على محل السبب؟

يعني أن الشروط اللغوية أسباب شرعية، والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. فالسياق ظاهره أنكم إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم [ألا تعدلوا] فلا تتزوجوا مثنى وثلاث ورباع.

فيُستفاد من وجود الخوف [على اليتامى] إباحة الزواج [بأكثر من واحدة]، ويُستفاد من عدم الخوف منع الزواج [بأكثر من واحدة].

استعمال الأدوات اللغوية وأصول الفقه في فهم آية التعدد

وهذا الذي يُفهم من الآية [آية التعدد في سورة النساء]، هذا إنما يستعمل الأدوات اللغوية العربية ويستعمل أصول الفقه في الفهم.

فلا تمنعه أنت أيها المسلم الذي اعتاد على الإباحة المطلقة للتعدد حتى من غير سبب، لا تمنعه من أن يفهم ما يريد من كتاب رب العالمين الذي نطق على هذه الهيئة؛ لأننا نؤمن أن هذا الكلام من عند الله، وأنه سبحانه وتعالى حفظه على مستوى الحرف وعلى مستوى الأداء، وأن كل ذلك يمكن النظر فيه إلى يوم الدين؛ فهو هدى للمتقين.

معنى مثنى وثلاث ورباع في لغة العرب وحكم التعدد

مثنى وثلاث ورباع: وهذه الكلمة في لغة العرب معناها اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربعة أربعة. وهذا معناه أن المسلم يمكن أن يتزوج اثنتين، أو يتزوج ثلاثًا، أو يتزوج أربعًا، وهكذا وكل مسلم [له ذلك بحسب الشرط المذكور في الآية].

ولذلك عبّر بـمثنى وثلاث ورباع، ثم يختتم [الله سبحانه وتعالى] فيقول:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَٰحِدَةً﴾ [النساء: 3]

وهنا نلتقي في لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.