سورة النساء | حـ 566 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 566 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح الله تعالى في سورة النساء العلاقة بين الرجل والمرأة وأحكام الزواج بقوله: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً".
  • فعل الأمر "آتوا" يفيد الوجوب، وكلمة "نحلة" تؤكد هذا الوجوب وتمنع صرف الأمر لمعانٍ أخرى.
  • كلمة "نحلة" مشتقة من النون والحاء واللام التي تحمل معاني القوة والفريضة والمذهب المؤكد.
  • عقد الزواج يختلف عن باقي العقود بأهميته البالغة لتعلقه بالاستمتاع والنسب والنفقة والعلاقات الاجتماعية.
  • يرى كثير من العلماء أن المهر ليس ركناً في عقد الزواج بل من آثاره الواجبة، لأن الله أجاز التنازل عنه بقوله: "فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً".
  • حدد الإسلام وجوب المهر مهما كان قليلاً، كما قال النبي ﷺ: "التمس ولو خاتماً من حديد".
  • حرص الإسلام على عزة المرأة وكرامتها بفرض المهر وتكريمها بعد أن كانت مهضومة الحقوق في الجاهلية.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في سورة النساء ورسم العلاقة بين الرجل والمرأة وقضية الزواج

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرسم لنا بالتفصيل العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها أساسًا من أسس المجتمع، بل والاجتماع البشري كله.

ويتحدث عن قضية الزواج التي تتكون الأسرة من خلاله؛ حتى يكون فارقًا بين الحلال والحرام، ويتحدث أيضًا عن أركان وشروط ومستلزمات ذلك الزواج فيقول:

﴿وَءَاتُوا ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 4]

دلالة فعل الأمر في آتوا على وجوب المهر وأهمية عقد الزواج

إذن هذا فعل أمر: آتوا، والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك؛ والمقام هنا مقام خطير؛ لأن عقد الزواج يخالف سائر العقود بشدة أهميته.

فهناك عقد البيع، لكن عقد الزواج أهم منه، وهناك عقد الإجارة والهبة والوصية، لكن عقد الزواج أهم من كل تلك العقود لتعلقه بآثار كثيرة: من حل الاستمتاع، ومن النسب، ومن النفقة، ومن العلاقات الاجتماعية، ومن الحلال والحرام؛ فهو في غاية الأهمية.

وآتوا النساء صدقاتهن؛ يستفيد منها القارئ المطلع السامع لكتاب الله سبحانه وتعالى أن المهر فرض على الرجل للمرأة.

معنى كلمة نحلة وتأكيدها لوجوب المهر ودفع شبهة صرف الأمر عن الوجوب

وحتى لا يقوم أحدهم ويكون الأمر محل خلاف ونظر ويقول: إن فعل الأمر يأتي أيضًا لغير الوجوب؛ فقد يأتي للإرشاد أو كنافلة للندب، وقد يأتي لغير ذلك، وحتى لا نختلف فقال [الله سبحانه وتعالى]: نِحْلَة.

وكلمة نحلة سدّت القرائن الخارجية والداخلية -التي خارج النص وداخل النص- من أن تصرف ذهنك عن الوجوب، وأكدت الوجوب المتضمَّن في فعل الأمر: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة.

التحليل اللغوي لمادة نحل ودلالتها على الفريضة والقوة والديانة

وكلمة نحلة نراها أنها من مادة (ن ح ل)، والنحلة هي الفريضة، وهي المذهب المؤكد، أي الملة، وهي الديانة.

ومن هذه المادة (النون والحاء واللام) جاءت تسمية النحل، والنحل يجلب لنا العسل، أي أن النون والحاء واللام هذه تشعر فيها بالقوة على هذا الترتيب، وتشعر فيها بالاتساق؛ إن بها عسل نحل.

والمذهب الخاص بك؟ أي النحلة الخاصة بك تعني ملة الإسلام ودين الإسلام ونحلة الإسلام، أي أن مذهبي وما أتمسك به وأعتقد فيه هو الإسلام.

دلالة عكس كلمة نحل على القوة ووجوب تنفيذ المهر تعبدًا لله

لكن عندما تعكس كلمة (نحل) تجدها لحن، (اللام والحاء والنون)، واللحن يعني الضعف، والنحل قوة؛ لأننا قمنا بعكسها. فالنحلة هذه فيها قوة.

العربي عندما يسمع هذه الكلمة يحدث بداخله شعور بأن هذه المسألة قوية، أي أنها ليس فيها مزاح؛ لذا يجب أن تُنفَّذ هكذا تعبدًا لله، فإن لم تُنفَّذ فثمة معصية، فثمة [عقوبة على ذلك].

فالرجل يجب أن يعطي المرأة حقها [في المهر]، أي أن هذا ركن من الأركان [عند بعض العلماء].

عالمية الإسلام وضرورة المهر لانعقاد الزواج في كل زمان ومكان

والإسلام دين عالمي متجاوز للزمان والمكان، يخاطب الناس من السكان الأصليين في المجاهل والغابات، ويخاطب العلماء، ويخاطب الأتقياء، والذين هم متوسطون، والذين هم أقل.

ومعنى ذلك أن الزواج لا يتم إلا عندما يكون [هناك] مهرًا؛ فيصبح المهر ركنًا من أركان العقد لا ينعقد إلا به.

استثناء التنازل عن المهر وتيسير الزواج عند عدم وجود المال

وبعد أن تحدث الله [سبحانه وتعالى] عن كونه [أي المهر] فرضًا وواجبًا ومؤكدًا، أن الله بدأ يفتح قليلًا؛ فإذا حدث أن رجلًا أحب امرأة وليس معه مال، فماذا يفعل؟ وهي تحبه حبًا شديدًا، فيقول [الله تعالى]:

﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 4]

لابد أن نرى أنه لا يعرف أحد من أصحاب القوانين أن يجعل هذه القضية واجبًا وفرضًا، ولكن هناك استثناء لكي يتجاوز بها الزمان والمكان؛ حتى مع بقاء الوجوب على حاله، ويبقى كما هو نحلة ومأمورًا به.

رأي العلماء في كون المهر أثرًا من آثار العقد لا ركنًا فيه

لكن إذا اتفق الأطراف فيصبح وضعًا آخر. ومن هنا رأى كثير من العلماء أن المهر ليس ركنًا في العقد، وإنما هو من آثار العقد؛ فهو واجب لكن نتيجة عن العقد، ليس ركنًا فيه [أي في العقد].

لأنه لو كان ركنًا ما جاز أبدًا التنازل عنه، فلما أجاز [الله سبحانه وتعالى] التنازل عنه فلا يُعدّ ركنًا، لكنه واجب.

وهذا يؤيد كلام الشافعية: أجل؛ أنه نحلة هنا هي واجب [أي أن] المهر [واجب]، لكنه ليس ركنًا من أركان العقد.

﴿وَءَاتُوا ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ [النساء: 4]

دلالة قوله عن شيء منه على التنازل الجزئي وتيسير الإسلام في المهور

ننتبه لقوله عز وجل: عن شيء منه؛ فهذا يُعدّ تنازلًا جزئيًا.

لكن إذا سألنا: والشيء منه هذا يصل إلى أي حد؟ لم يُذكر في الآية الكريمة؛ لذا فيمكن أن يكون المهر كله. هذه جهة أولى أن الله يسّر فَفَتَحَ بعد ما ألزم، وترك اللزوم على لزومه، [و] جعل هناك استثناءات لكي يبقى الإسلام دين يسر.

وحتى يكون الزواج ميسّرًا؛ وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن المغالاة في المهور على الرغم من أنه يؤكد على اللزوم، فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «التمس ولو خاتمًا من حديد» صحيح البخاري

فيشير الرسول ﷺ إلى ضرورة تقديم المهر ولو شيئًا بسيطًا؛ حتى يبقى اللزوم كما هو حفاظًا على عزة المرأة التي يحرص عليها الإسلام.

تكريم الإسلام للمرأة والخاتمة بالدعاء والسلام

ولقد ظلت المرأة مكرمة عند المسلمين، وإن شاء الله يكون ذلك إلى يوم الدين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.