سورة آل عمران | حـ 553 | 196-197 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 553 | 196-197 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • الآية الكريمة "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد" موجهة للنبي وللناس كافة إلى يوم الدين.
  • القرآن الكريم ليس مقصوراً على النبي، بل هو هدى للمتقين وموجه لكل قارئ.
  • الخير والشر موجودان في كل عصر، وقد يتسلط الشر أحياناً، لكن الخير ينتصر في النهاية.
  • يجب على المؤمن ألا يفتتن بالشر حتى لو كثر وغلب في بعض الأوقات.
  • حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الإمعية والانجرار مع الناس في الإساءة.
  • الصواب هو الصواب وإن كان صاحبه وحيداً، فكثرة أهل الشر لا تجعل الشر صواباً.
  • وصف الله تعالى متاع الكافرين بأنه "متاع قليل" في الكمية والزمن، وأن مصيرهم جهنم.
  • قصة يوسف عليه السلام مثال على الصبر الجميل الذي أعقبه التمكين والنصر.
  • الواجب على المؤمن التوكل على الله والصبر الجميل مع عدم الرضا بالمنكر.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ [آل عمران: 196]

الآية خطاب عام لكل المسلمين إلى يوم الدين وليست خاصة بالنبي

وهذه الآية نزلت في أيام النبي أم تتنزل دائمًا؟ إنها تنزل دائمًا إلى يوم الدين. والمخاطب بها هنا هو النبي أم كل الناس؟ لا، بل كل الناس وإلى يوم الدين.

إذن هي ترسم مبدأً عامًّا باقيًا إلى يوم الدين. انتبه ولا تحصر القرآن في سيدنا النبي؛ لأنه إنما هو منذرٌ مبشرٌ مبلغٌ عن ربه رسول، والكتاب هدى للمتقين.

فعندما تأتي لتقرأ، تقرأ باعتبار أن هذه الكلمة موجهة إليك أنت. فماذا يقول الله لك؟ أنت بالذات أنت مع نفسك:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ [آل عمران: 196]

الدعوة إلى الشر مستمرة في كل عصر والآية ترد على من يظن أن عصرنا استثناء

وهل في كل عصر وفي كل مصر سنجد الذين كفروا وسنجد أنهم يدعون إلى الشر؟ نعم طبعًا، فالدعوة إلى الشر لا تنتهي.

والذي يظن أننا في عصور مغلقة مثل الأطفال الإرهابيين يعتقدون أننا في عصور مغلقة لم يمر بها العالم الإسلامي من قبل، هذه الآية ترد عليه. من الذي قال لك هذا؟ طوال العمر الحياة فيها الخير وفيها الشر، وطوال العمر الحياة في وقت معين يتسلط الشر، وطوال العمر الحياة يغلب فيها الخير في النهاية.

فإذن هذا أمرًا ليس من طبيعة عصرنا هذا، فهو أمر مستمر دائمًا.

طمأنة المؤمن بعدم الافتتان بالشر والنهي عن أن يكون المسلم إمعة

فيقول لك: أنت أيها المؤمن أيها المسلم، لكي يطمئن قلبك، لا تفتتن بالدعوة إلى الشر حتى لو غلب في بعض الأحيان.

والنبي صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك أجلى بيان ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «لا يكون أحدكم إمعة، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، وطِّنوا أنفسكم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا»

احذروا أن تظلموا أنفسكم ولا تظلموا الآخرين.

الأمر بالعدل وعدم الانجرار وراء الكثرة مع الاستشهاد بآيات المائدة والنحل

فماذا أفعل؟ لا، بل كونوا عادلين.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فِى ٱلْبِلَـٰدِ﴾ [آل عمران: 196]

لا تكن إمعة، فلنفترض أن كثر الشر، لا تكن إمعة. افترض أنك وحدك والباقون شر، لا تكن إمعة.

حديث الأنبياء يوم القيامة ومجيء بعضهم وليس معه أحد دليل على ثبات الحق

والنبي صلى الله عليه وسلم يصور ذلك فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «يأتي النبي يوم القيامة وليس معه سوى الرهط قرابة تسعة أشخاص، والباقي لم يؤمنوا به، ويأتي النبي من هؤلاء [الأنبياء] أي نبي من الأنبياء وليس معه إلا ثلاثة، ويأتي النبي وليس معه إلا اثنان، ويأتي النبي وليس معه أحد»

هل كان النبي هذا الذي جاء وليس معه أحد مخطئًا؟ لا، بل هم الذين يخطئون. فالصحيح صحيح والخطأ خطأ، ولكن كثرة الخبيث لا تغرنا.

معنى متاع قليل وتهدئة الروع بأن الشر زائل ومصيرهم جهنم

فهيا لنقم ونكسرهم؟ قال [الله] لي: لا.

﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: 197]

انظر كيف «متاع قليل» في الكمية، متاع قليل في الزمن، متاع قليل؛ أي هدِّئ من روعك. كل هذا الشر ماذا نفعل فيه؟ قال [الله]: ليس لك شأن بذلك، أنت اهدأ، متاع قليل.

وبعد ذلك نكسرهم؟ فقال: لا.

﴿ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 197]

أي هؤلاء سيظلون هكذا حتى يموتوا. أجل وأنت جالس صامت هكذا؟ ما قال [الله] لي أن أفعل شيئًا هنا، قال:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فِى ٱلْبِلَـٰدِ * مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]

الرضا والتسليم مع إنكار المنكر والصبر الجميل كما في قصة يعقوب عليه السلام

فيكون الرضا والتسليم مع الإنكار والوصف على ما هو عليه؛ الكفر كفر، والفسق فسق، والمعصية معصية. إنما:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]

بيت النبوة ويعقوب [عليه السلام] وأولاده كذبوا عليه وهو يعرفهم كاذبين، وغير راضين أن يعترفوا. كل هذا الزمن والرجل حزين ويبكي حتى:

﴿وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]

وكذلك غير راضين أن يُقِرّوا ولا يعترفوا. أين ذهب الصبي؟ ووضعوه أين؟ لا إله إلا الله! هذا [يعقوب عليه السلام] عاش معهم ويُؤكلهم، ما طردهم، ما قام فذبحهم.

التوكل على الله والصبر الجميل حتى يأتي الفرج كما في قصة يوسف عليه السلام

وبعد ذلك قال [الله] له:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18]

فربنا في النهاية مكّن يوسف [عليه السلام] في الأرض وجعله يأتي بهم، وكذلك إلى آخره، والقصة نعرفها.

إذن يجب أن نتوكل هنا على الله:

﴿مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 197]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.