سورة آل عمران | حـ 551 | 191- 193 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 551 | 191- 193 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الدعاء هو العبادة أو لب العبادة كما جاء في الروايات الصحيحة، وقد علمنا الله في القرآن كيفية مناجاته.
  • الدعاء فن يحتاج إلى عقيدة صحيحة، والإجابة تأتي وفق هذا الفن.
  • من أمثلة قوة الدعاء دعوة سعيد بن جبير على الحجاج بن يوسف الثقفي، حيث قال: "اللهم لا تمكنه من أحد بعدي"، فمرض الحجاج بعدها.
  • من آداب الدعاء عدم التعدي فيه، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • من آداب الدعاء وصف الله بالأوصاف الجميلة أولاً، ثم تقديم العقيدة الصحيحة ثانياً، ثم ذكر الأعمال الصالحة ثالثاً.
  • التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء ليس شركاً، بل هو من التوحيد، لأن الإقرار بنبوته يبين أنه وسيلتنا إلى الله.
  • ينبغي الدعاء للآخرة أولاً ثم للدنيا، كما ورد في قوله تعالى: "ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار".
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في تعلم أدب الدعاء ومناجاة الله من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا كيف نناجيه وفيما نناجيه، ويعلمنا الأدب في الدعاء. والدعاء مخ العبادة، أو الدعاء هو العبادة.

وفي الرواية الصحيحة -أو الأصح-:

قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» أخرجه الأربعة

ولكن في رواية «الدعاء مخ العبادة» صحيحة أيضًا. بعض الناس يقول لك: حسن وكذا لا بأس به؛ لن ندخل في التفاصيل، ولكن هذه صحيحة وهذه صحيحة، لكن الأصح: الدعاء هو العبادة.

الدعاء في القرآن فن يحتاج إلى عقيدة صحيحة لتحقيق الإجابة

فيقول ربنا -ويبدأ إذن يعلمنا- وسنرى ما الدعاء. الدعاء في القرآن تتبعه هكذا تتعلم منه أدب الدعاء، مناجاةً لربك، كيف؟

والدعاء هذا فن، وحسب هذا الفن تأتي الإجابة. وهذا الفن يحتاج إلى عقيدة صحيحة؛ يحتاج إلى عقيدة صحيحة.

قصة دعاء سعيد بن جبير على الحجاج بن يوسف الثقفي وأثره

الحجاج بن يوسف الثقفي قتل سعيد بن جبير. ولما قتل سعيد بن جبير -وسعيد هذا من كبار علماء التابعين، رأى الصحابة وكان رجلًا تقيًا- انتقد الحجاجَ، [فبحث عنه و] جاء به فقبض عليه وقتله.

فقال سعيد قبل أن يموت: اللهم لا تمكنه من أحد بعدي، اللهم لا تمكنه من أحد بعدي -هو بذلك يدعو عليه أن يموت في اليوم التالي-.

قال: فمكث ثلاثة أيام فمرض الحجاج، فأول ما مرض فهم أن هذه دعوة سعيد، فكان يقول: ما لي وما لسعيد!

ندم الحجاج وإدراكه خطأ ظلمه لسعيد بن جبير

أول شيء في التوبة أن تفهم ولا تخدع نفسك؛ أي أنك تعرف ما فعلت. فكان يقول: ما لي وما لسعيد! أنا ما لي وما لسعيد! لماذا أذهب وأقبض عليه وأقتله؟ ويدعو عليّ فتصيبني دعوته! ما لي وما لسعيد!

دعاء الحجاج لربه بالمغفرة وكيف عرف أدب مناجاة الله

وبعد ذلك صار يعرف كيف يكلم ربه. قام يقول له: ما هذا؟ نحن نتحدث عن رجل ظالم، بل نحن نتحدث عن رجل سفاك للدماء، ولكنه كان يختم القرآن كل سبعة أيام مرة.

أي أن الظلمة في عهدهم كانوا يختمون القرآن كل سبعة أيام مرة! ونحن لا شأن لنا بظلمة عصرنا الذي نحن فيه، الذين لا يعرفون القرآن من أصله ولا قرأوه من بدايته إلى نهايته؛ لا علاقة لهما بالحكاية إطلاقًا.

فكان [الحجاج] يقول: يا رب، إن الناس يقولون إنك لا تغفر للحجاج، اللهم اغفر لي! يا له من خبر طيب! هذا يعرف كيف يناجي ربه تمامًا.

فقه دعاء الحجاج وكيف احتج على ربه بأن المغفرة بيده وحده

كيف [يناجي ربه]؟ أن الناس يقولون إنك لا تغفر للحجاج. انظر يا رب، هل يوجد أحد يتألى عليك يا رب؟ خيّب ظنهم! ما هو لأن الأمر كله بيدك أنت؛ أن الناس تقول إنك لا تغفر للحجاج، ما شأنكم أنتم؟ يغفر أو لا يغفر! اللهم فاغفر لي!

هكذا بالسهولة هكذا!

التعدي في الدعاء وصوره ونهي النبي عنه

إنما من قلة الأدب في الدعاء: التعدي. النبي ﷺ يقول هكذا:

قال النبي ﷺ: «لا تعتدوا في الدعاء»

ما هذا التعدي؟ [كأن يقول أحدهم:] يا رب أحضر لي خمسين ألف جنيه غدًا، كمان غدًا! وليكونوا مئات يا رب، حتى يصبح ماذا؟ خمسة أضعاف! ولا يكونوا خمسينات، أي خمسة! الله، ما هذا؟!

هذا نوع من أنواع التعدي في الدعاء. قل: اللهم ارزقني؛ ربما يأتي لك بمائة ويرزقك من حيث لا تحتسب.

تفسير آية ربنا ما خلقت هذا باطلا وآداب الدعاء بالوصف الجميل والعقيدة الصحيحة

أما الآية فقد قال ربنا:

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

ربنا مرة أخرى:

﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]

فإذا أبعدني [الله] عن النار وانصرني، وهذا معناه أنه يدعو بالآية للآخرة.

فمن آداب الدعاء:

  1. أولًا: أن تصف ربنا بالوصف الجميل.
  2. ثانيًا: أن تقدم له العقيدة الصحيحة.

فأول شيء تقول: الحمد لله رب العالمين، أشكرك وأشكر نعمك عليّ. رقم اثنين: أنت ربي وحبيبي، فتبقى عقيدة. ثم اصرف [يا رب] عن النار؛ تتعلق دعوتك بالآية في الآخر:

﴿وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [آل عمران: 192]

ويا رب انصرنا.

تقديم الأعمال الصالحة في الدعاء والتوسل بالإيمان بالنبي ﷺ

ربنا، رقم ثلاثة:

﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَـٰنِ أَنْ ءَامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا﴾ [آل عمران: 193]

يبقى أيضًا تقدم أعمالك الصالحة. ولذلك المسلمون يقولون: يا رب من أجل النبي، يا رب من أجل النبي. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنا آمنت به، فلأنني آمنت بالله وبرسوله، يا رب افعل لي كذا.

قوم تجدها مشيت [معهم]، فيأتي الآن يتنطط لك الآن يقول لك: «لأجل النبي» هذا شرك! يا أخي هذا شرك! هذا لا، خطأ! والنبي أصبح شرك؟! فما الذي ليس شركًا إذن؟ فما التوحيد؟

التوسل بالنبي ﷺ غاية التوحيد لأن الله قرن اسمه باسم نبيه

هذا ربنا قرن اسمه باسم النبي ﷺ واسم النبي باسمه: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. شرك هذا؟ لا، ليس شركًا. طيب فما هذا إذن؟ هذا غاية التوحيد؛ لأن الإقرار بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم تبين أن كل الأبواب قد سُدّت إلا باب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ومن أعجبه [ذلك أعجبه]، ومن لم يعجبه لم يعجبه. فهذا وسيلتنا إلى ربنا وغايتنا إليه صلى الله عليه وسلم.

الدعاء بالمغفرة وتكفير السيئات والتوفي مع الأبرار في الدنيا والآخرة

﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: 193]

الذي هو النبي ﷺ، ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا. والعمل الصالح هو الصالح.

﴿رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]

بعد أن دعا للآخرة، دعا للدنيا والآخرة [معًا].

وإلى لقاء آخر نكمل فيه دعاء ربنا وكيف علّمنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.