سورة آل عمران | حـ 541 | 185 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقرر القرآن حقيقة ثابتة في قوله تعالى "كل نفس ذائقة الموت" لتكون قاعدة لانطلاقنا في حياتنا وسلوكنا، رغم أننا نحاول تناسيها.
- •الموت أمر مرتبط بأجل مسمى لا يعلمه أحد، ولو علمه الإنسان لاضطربت حياته، فمن رحمة الله عدم إطلاعنا على موعده.
- •تذكر الموت يكون دافعاً للعمل الصالح والابتعاد عن أذى الآخرين، بينما معرفة موعده تكون مانعاً ومعطلاً للحياة.
- •الموت حقيقة شاملة لكل النفوس، حتى سيد الخلق، كما قال تعالى "إنك ميت وإنهم ميتون".
- •المسلم يعرف ثلاثة أمور أساسية: من خلقه؟ وماذا يفعل في الدنيا؟ وإلى أين يذهب بعد الموت؟
- •توفية الأجور كاملة تكون يوم القيامة، مع أن الله يعطي بعضها في الدنيا.
- •المؤمن لا يخاف الموت لإيمانه بما ينتظره من أجر عظيم في الجنة يفوق كل تصور.
مقدمة تفسير آية كل نفس ذائقة الموت من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة نشاهدها كل يوم، لكنه عندما يقررها يجعلها قاعدة لانطلاقنا في حياتنا وتصرفاتنا وسلوكنا؛ لأننا نحب دائمًا أن ننساها وأن نتغافل عنها وأن نجعلها وراء ظهورنا وليست في عقولنا. يقول:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]
الواحد أحدهم يذهب يعزي في الجنازة أو يصلي على الجنازة أو يدفن الميت، وبعد أن يخرج يحاول أن يطرد فكرة الموت من ذهنه.
اضطراب الإنسان عند معرفة أجله وأثر ذلك على حياته
والموت هذا أمر غريب؛ لأنه مرتبط بأجل مسمى، ثانيًا لا أحد يعرفه. ولو تخيلنا، وربنا يرسل [إشارات] هكذا من حين لآخر لكي ينبهنا أن هناك من يعرفه [أي أجله]، فتجد حياته كلها قد اضطربت.
فلو أن شخصًا لديه مرض وقال له الطبيب إن أمامك ستة أشهر، يضطرب ويضطرب بأساليب مختلفة، كل واحد حسب شخصيته. فتجد أن هناك من اعتزل الدنيا نهائيًا، فيذهب ليصلي ويصوم لينقذ روحه. وتجد آخر يخرج من ماله [ينفقه كله]، ولو تبين أن الطبيب مخطئ والستة أشهر مضت ولم يمت بعد، فلا تجد معه شيئًا وتصبح كأنك مثل مقلب الله [أي تقلبات القدر]، ويبدأ يضطرب مرة أخرى.
الفرق بين تذكر الموت كدافع للعمل ومعرفة الأجل كمانع
تخيل أنه لو اطلعنا على آجالنا لكانت الدنيا تصبح سيئة، وكان الإنسان يصبح أيضًا مضطربًا. ومن الممكن جدًا لو عرف [أجله] إنه مهما كان يتصرف تصرفات حمقاء.
ولكنها حقيقة تؤثر، في ماذا؟ كلما تذكرها الإنسان. فأنا عندما أتذكر أنني سأموت لا أقول سأموت الآن، ولكن هناك موت، يكون دافعًا للإنسان للعمل الصالح، دافعًا للإنسان ما دام هناك يوم قيامة، ألا نؤذي إخواننا الآخرين، دافعًا للإنسان لأنه هو يعمل العمل الذي يستفيد به عند الله سبحانه وتعالى.
إذن هي حقيقة يجب أن نتذكرها لا أن نتبين موعدها، أي أن هناك فرق بين التذكر الذي هو دافع ومعرفة الموعد الذي هو مانع. فهذا دافع وذاك مانع. فمن رحمة ربنا بنا أنه يذكرنا بالدافع مع عدم إطلاعنا على المانع حتى لا يكون هناك التباس.
شمول آية كل نفس ذائقة الموت وعدم استثناء أحد حتى سيد الخلق
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]
كل تعني إذن كل نفس، كل هذا للشمول وللعموم، ذائقة الموت. حسنًا، لا توجد نفس خالدة، فالكل سيموت. إذا كان هناك نفس منفوسة فإن هناك موتًا.
ولذلك قال [الله تعالى] لسيد الخلق [محمد ﷺ]:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]
فإذا كان سيد الخلق ﷺ ميتًا فقد انتهى الأمر.
ربط الموت بالإيمان بيوم القيامة وأسئلة الوجود الثلاثة الكبرى
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 185]
إذن فقد ربط [الله تعالى] حكاية الموت بإيماننا العميق بالمستقبل يوم القيامة.
يُسأل المسلم ثلاثة أسئلة: من الذي خلقك؟ فيقول: ربنا. ماذا تفعل هنا [في الدنيا]؟ أعبده وأعمر الأرض وأزكي النفس.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وبعد أن تموت إلى أين ستذهب؟ يوم القيامة. يعرف هذه الحكاية كل مسلم، الأمي والعالم والجاهل، والذي درس في الأزهر والذي لم يدرس في الأزهر، كل المسلمين يعرفون هذه الأسئلة الثلاثة.
الأسئلة الثلاثة التي حيرت البشر يعرفها كل مسلم ببساطة
ما رأيك؟ هذه الأسئلة الثلاثة حيرت البشر، حيرت البشر! كل الناس تعرفها، إذن فأنت معك شيء ليس مع أحد.
فالأسئلة الثلاثة البسيطة هي كالتالي: ربنا الذي خلقنا لكي نطيعه هنا ونعبده، وبعد ذلك نحن راجعون إليه مرة بعد الموت.
ولذلك تجد المؤمن والمؤمنة لا يخاف من الموت.
توفية الأجور يوم القيامة وعظمة كرم الله في الجزاء
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 185]
ربنا يعطيني بعض الأجور في الدنيا، إنما ليست وافية، وإنما سيوفيها لك. متى إذن تمامًا؟ آه، ذلك يوم القيامة.
يوم القيامة عندما ستشاهد ما ادخره الله لك في الجنة، حينئذ تقول لنفسك: لا، هذا زيادة عن اللزوم! هذا [مثل أن] أنت منتبه، عندما يأتي أحد لتبيع له شيئًا، تبيع له مثلًا ثلاجة أو شيئًا، أنت تريد فيها ألفًا، فذهب ليعطيك فيها عشرة، فتقوم لتقول له: يعني هذا زيادة عن اللزوم!
فربنا واسع [الكرم والعطاء].
الله هو الذي وفقك للعبادة ثم يجزيك عليها أضعافًا مضاعفة
أنت تريد ماذا؟ قال: صليت لك يا ربي وصمت لك. قال [الله]: صليت لك؟ قال: فهو الذي جعلك تصلي، هو الذي هداك، هو الذي وفقك! حسنًا، خذ الأجر إذن.
تحسبها كم تبلغ مثلًا؟ شيئًا مثل مدينة القاهرة ملكك في الجنة؟ لا، هذا سيعطيك على الأقل عشرة أمثال الكرة الأرضية، عشرة أمثال الكرة الأرضية! فعندها سيحدث لك حالة من الرضا.
نعم هكذا، قال الله: هذا زائد، فماذا سنفعل؟ نفعل هذا هكذا، آه.
﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 185]
توفون أجوركم يوم القيامة. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
