سورة آل عمران | حـ 534 | 180 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية الكريمة "ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم".
- •البخل صفة موجودة في الإنسان كطبيعة أصلية لكن يجب ألا تزيد لتصبح خلقاً مذموماً.
- •هناك خط فاصل بين الحرص المحمود الذي به قوام الحياة والبخل المذموم الذي نعاه الله على أهله.
- •فضل الله المذكور في الآية يشمل المال والعلم والسلطة والصحة والتقوى وغيرها.
- •من آتاه الله فضلاً فعليه بذله للآخرين، فالعالم عليه أن يعلم، والطبيب عليه أن يطبب، والقاضي عليه القضاء.
- •ذكر السيوطي أن من أكرمه الله بالتقوى وكان وحيداً في بلده، وجب عليه تعليم الناس وإرشادهم.
- •من يبخل بما آتاه الله من فضله يكون آثماً لتركه واجباً عليه، ومصيره وعيد الله بأنه سيطوق بما بخل به يوم القيامة.
- •الشجاعة مطلوبة في مواضعها لكن التهور مذموم، والإنسان مطالب بالحكمة في تصرفاته.
مقدمة تفسير آية البخل في سورة آل عمران وتوجيه الله لعباده
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يوجهنا ويرشدنا ويرسم لنا طريق الحياة في الدنيا حتى ننال سعادة الدارين الدنيا والآخرة، يقول:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ [آل عمران: 180]
الفرق بين خطاب الكفار وخطاب المؤمنين في آيات البخل
هناك قبل [هذه الآية] ماذا يقول [الله تعالى]؟
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا﴾ [آل عمران: 178]
يخاطب الكفار، وقلنا حينئذٍ هذا خطابه للكفار ليس فقط يُستفاد منه تحذيرهم وبيان حقيقتهم، أبدًا؛ هذا يُستفاد منه خطاب للمؤمن يعلم حقيقتهم من ناحية، ويحذر من فعلهم من ناحية أخرى تجاه فعل الخير.
هذه المرة يخاطب المؤمنين صراحةً مباشرةً، ولكن مؤمنٌ مقصّر، مؤمنٌ لا يستطيع أن يتغلب على نفسه، تأخذ وتعطي معه [أي نفسه تتردد بين الإنفاق والإمساك].
طبيعة البخل في النفس البشرية والحرص على المال وأصله الفطري
وهذه النفس التي تأخذ وتعطي معه ليست غريبة ولا شيء؛ بخيلة لأن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود. لكن القرش كثُر قليلًا فأصبح العشرون، الثلاثون، مليونًا الأبيض ينفعه في اليوم الأسود، لم تعد قرشًا؛ يعني لم تعد [المسألة] مبذّرة قليلًا.
الإنسان هكذا، في طبائع في الإنسان هذه الطبائع تستقيم بها الحياة. الغيرة عند المرأة هذه حاجة جيدة جدًا تستقيم بها الحياة؛ تدافع عن أبنائها، ترعاهم، تُجَنّ إذا حدث لهم شيء. نعم، هذا على فكرة من غير ذلك كانت المرأة لا يكون لها ما الذي تستطيع أن ترعاه هذه الرعاية؟
الغيرة كالملح في الطعام زيادتها تفسد والاعتدال فيها مطلوب
الغيرة يعني ليست جميلة؟ يعني لا، هي لها جانب جميل، ولكن زيادتها مثل الملح في الطعام؛ عندما تسكب كيس الملح كله في القِدر الصغير هكذا جعلتها شيئًا مُرًّا، يعني جعلتها مُرّة، جعلتها ليست... سمِّها كما تشاء.
ولكن الملح عندما أيضًا تضعه في الطعام فيُحلّيه، ولكن بقدره بالحاجة المعقولة. هكذا فإذا كان البخل الذي في الإنسان هذا هو طبيعته من أجل ألّا يصبح الإنسان مُفرِطًا إلى حدّ:
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 27]
الخط الفاصل بين الحرص المحمود والبخل المذموم والشجاعة والتهور
فالجانب الخاص بالحرص هذا جميل، ولكن لا تَزِد كثيرًا جدًا هكذا حتى تصل إلى البخل؛ فيكون هناك خط فاصل بين الحرص الذي به قوام الحياة، وبين البخل الذي نعى الله على أهله هنا.
ولكن هذا من هذا [أي كيف نميّز بينهما]؟ الشجاعة والتهور ما هو هذا من هذا؟ متهوّر، لماذا؟ لديه شجاعة هكذا. الشجاعة مطلوبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مطلوبة في النصيحة، مطلوبة في الجهاد في سبيل الله، مطلوبة في التجارة.
لكن التهور لا، ليس مطلوبًا؛ يكون ضد الحكمة:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
ففي حدّ فاصل بين المعاني: هذا الكرم والإسراف مثلًا، والحرص والبخل، وهكذا.
شمول معنى الفضل في الآية للمال والعلم والسلطة والصحة والتقوى
هنا الذي نقوله:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 180]
فسيدخل المال، وسيدخل العلم، وسيدخل السلطة، وسيدخل الصحة، وسيدخل التقوى أيضًا.
فمن كان تقيًّا وقام يرشد الناس فعليه أن يرشد الناس. يقول الإمام السيوطي أن الواحد عندما يصبح تقيًّا وربنا أكرمه بالتقوى وليس هناك إلا هو في المدينة، يجب أن يتصدّر الناس؛ يعلّمهم كيف يدعون، كيف يذكرون، كيف يُطلقون الدنيا من قلوبهم، كيف [يعبدون الله حقّ عبادته].
البخل بالتقوى والعلم والقضاء إثم إذا لم يوجد غير صاحبه
طيب، افترض أنه من تقواه انعزل؛ فيكون قد أخطأ وأَثِم ببخله هنا في هذه الحالة. ببخله [بتقواه عن الناس].
افترض واحدًا عالمًا وليس هناك إلا هو قاضٍ، وبعد ذلك عرضوا عليه القضاء فقال: لا والله، إن القضاء هذا أمر حساس جدًا فلنتجنّبه، أنا أتورّع عنه. ورعه كاذب، وهو يرتكب الإثم؛ لأنه ليس هناك إلا هو، فيجب عليه أن يتولّى القضاء.
افترض أن واحدًا طبيب ورفض أن يمارس مهنة الطب ولا يوجد في البلد سواه، أيكون آثمًا؟ [نعم يكون آثمًا].
وجوب إنقاذ الغريق على من يستطيع السباحة وحرمة التقاعس عن الواجبات
افترض أن واحدًا سبّاحًا ولم يرضَ أن ينقذ الغريق، قال: لا، الدنيا باردة، أنا لن أنزل. هكذا لا يرضى أن ينقذ الغريق! يا عمّ، لا يوجد إلا أنت الذي تسبح، طيب ماذا سنفعل؟ الرجل يغرق! قال: لا، أنا لن أنزل.
أيكون آثمًا؟ نعم. لماذا آثم؟ لماذا؟ الدنيا باردة، هل هو حرّ؟ لا يوجد [حرية مطلقة]؛ هناك واجبات في مقابل هذه الحقوق، في مقابل هذه المعاني [التي أنعم الله بها عليه].
شمول معنى الفضل في الآية وإعراب ولا يحسبن الذين يبخلون
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 180]
واسمع إذن: فضله هذا شيء واسع هكذا، يشمل كل المعاني، ليس فضل المال فقط؛ فيكون هذا دين الحياة وأنت تسير هكذا دائمًا وبالحكمة.
«هو خيرٌ لهم»، يقول لك الله: فلماذا قال «فلا يحسبنّ»؟ قال: لتسلّط الفعل عليه.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران: 180]
لا يحسبنّه، لا يحسبوه خيرًا. إذن «خيرًا» مفعول به، نعم؛ لأن «يحسب» تأخذ مفعولين، فهذا هو المفعول الثاني لها.
بل هو شر لهم وعاقبة البخل يوم القيامة والختام
﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ [آل عمران: 180]
مبتدأ وخبر: «هو» مبتدأ و«شرٌّ» خبر، أجل.
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [آل عمران: 180]
سبحان الله! يوم القيامة توجد أشياء كذلك [تتعلق بعقوبة البخل]، ولكن نشرحها المرة القادمة لأن هذه مهمة.
فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
