سورة آل عمران | حـ 524 | 168 - 169 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 524 | 168 - 169 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص معنى الآية: "الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا" من سورة آل عمران، مبيناً أنها صورة من صور عدم الثقة بالله.
  • يوضح أن آجال البشر بيد الله، فلا يستقدم أحد أجله ولا يستأخر، ولا يمكن دفع الموت.
  • يبين أن الموت رحمة وحكمة إلهية، ولو انعدم لصارت الحياة كارثة بسبب ازدحام الأرض وصعوبة العيش وانقطاع تراكم المعرفة.
  • يشرح الفرق بين الظاهر والحقيقة في الشهداء، فظاهرهم أموات بالمعنى المادي، لكن حقيقتهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
  • يذكر أمثلة أخرى للفرق بين الظاهر والحقيقة، كخلوف فم الصائم ودم الشهيد، وكيف أن رائحتهما كريهة ظاهراً لكنها أطيب من المسك عند الله.
  • يربط هذا المفهوم بالإيمان بالغيب وأهمية تجاوز المحسوس للوصول إلى الحقائق الإيمانية.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية المنافقين الذين قعدوا عن الجهاد في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ٱلَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168]

صورة أخرى من صور عدم الثقة بالله، صورة أخرى من صور عدم معرفة حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال، وأنه لا يكون في كونه سبحانه إلا ما أراد، وأنه بيده آجال الخلق؛ لا يستقدم أحد منا لحظة ولا يستأخر، لا ميلادًا في وجوده في الدنيا ولا موتًا في رحيله منها. حقائق ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

رد الله على المنافقين الذين زعموا أن القعود ينجي من الموت

فذهبوا [المنافقون] وقالوا لإخوانهم: أتعرفون الناس الذين ماتوا؟ هؤلاء لو كانوا أطاعونا وقعدوا لم يموتوا!

فجاء الرد الإلهي الحاسم:

﴿قُلْ فَٱدْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ [آل عمران: 168]

عندما يأتيكم الموت فلتقولوا له: لا، اذهب، لا تأتِ، لسنا متفرغين! نحن لسنا متفرغين لنموت الآن! سيموت أيضًا [كل إنسان]، لا يوجد أحد يستطيع هكذا، لا يوجد شيء أن يؤخر أحد أجله.

﴿فَٱدْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 168]

دعوه [الموت] لا يأتِ هكذا إن كنتم صادقين!

محاولة بعض الأطباء القضاء على الموت واستحالة ذلك علميًا وشرعيًا

ولذلك لما قام بعض الأطباء يدعون إلى أبحاث تقضي على الموت، قالوا له: كيف وماذا سنفعل؟ قالوا: ولا شيء، نحن نواصل البحث في الخلية ونرى كيف تكبر هذه الخلية وتموت، لماذا؟ وبعد ذلك نجعل الإنسان يعيش دائمًا.

كيف؟ عمل [ذلك الطبيب] بعض الأبحاث، فقالوا له: الله! تريد أن تقضي على الموت؟! فبدأوا يتنبهون [إلى خطورة الفكرة].

تخيل عالم بلا موت وكيف سيكون كارثة على البشرية

حسنًا، تخيل أنني قضيت على الموت، فلنسايرهم في الكلام حتى نصل لآخر الموضوع. ما رأيك أنه ستكون بلوى ومصيبة علينا جميعًا إن لم يأتِ الموت؟

لماذا؟ قال: هذه الأرض ستزدحم، فأين سنسكن بعد ذلك يا ترى؟

aثنان: جدّ جدّ جدّ جدّ جدّك ما زال على قيد الحياة، رجل كبير يحتاج إلى رعاية، لقد قال أنه سيقضي على الموت! وجدّ جدّ جدّ جدّك ما زال على قيد الحياة، وجدّ جدّ جدّك ما زال على قيد الحياة.

فماذا ستعمل إن شاء الله؟ أليس عليك أن ترعى كل هؤلاء؟ فمن أين ستنفق عليهم؟ كيف؟ لو لم يكن هناك موت لأصبحت كارثة!

﴿فَٱدْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 168]

الموت رحمة من الله وتصور مصيبة عدم وجوده على الأسر والبشرية

إذن لا صاحبنا هذا سيصل إلى شيء، ولو أنه قد وصل ودرأ عن نفسه الموت ستكون مصيبة.

تتصور؟ تصور أن الموت رحمة أيضًا! تصور أن الموت وفيه فراق للعزيز، وفيه تغيير للأسرة؛ الرجل يموت إذن الأسرة قد اضطربت، ولذلك هناك حزن يصيب الإنسان.

قال رسول الله ﷺ: «إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول ما يغضب الله»

[قال ذلك] لما مات سيدنا إبراهيم ابن سيدنا محمد ﷺ.

حسنًا، وبعد ذلك تصور هكذا أن الموت غير موجود، هذه تكون مصيبة! الحمد لله أن ربنا قدّر الموت على بني آدم؛ لكي تتراكم المعرفة ولكي تُعمر الدنيا، لأنه من غير ذلك لهُدمت ولم تُعمر.

تكرار رد الله على المنافقين وبيان حياة الشهداء عند ربهم

﴿ٱلَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168]

هم [المنافقون] قعدوا وقالوا: والله لو كانوا أطاعونا لكانوا مثلنا هكذا أيضًا.

﴿قُلْ فَٱدْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 168]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًا﴾ [آل عمران: 169]

هناك شيء له ظاهر وله حقيقة. هؤلاء [الشهداء] أموات أم لا؟ من ناحية الظاهر نعم أموات؛ لأننا وضعناهم في القبور، من ناحية الظاهر نعم أموات؛ لأن الجسد فارقته الروح، من ناحية الظاهر نعم أموات؛ لأنهم غير قادرين على التصرف والحركة والذهاب والإياب.

حقيقة الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وليسوا أمواتًا

الذي مات، هذا شهيد في سبيل الله، لا يعرف أن يأتي ليجلس معنا هنا، فيكون في ناحية الظاهر نعم هم أموات.

فقال [الله سبحانه]: حسنًا، فلا تقولوا عنهم أموات. إذن هم ليسوا أمواتًا، فماذا يقصد؟ يقصد في الحقيقة.

فما حقيقتهم؟

﴿بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]

هذه حقيقتهم [أنهم أحياء عند الله يُنعمون].

خلوف فم الصائم مثال على الفرق بين الظاهر والحقيقة عند الله

قال رسول الله ﷺ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَحَبُّ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»

الخُلوف هو الرائحة التي تحدث بعد الظهر والإنسان صائم في رمضان، تشمّها هكذا، لا، رائحة ليست طيبة.

قال [النبي ﷺ]: الذي ليس طيبًا هذا أطيب من المسك. هنا؟ لا، عند الله نعم. يعني إذا كان هذا له ظاهر، ظاهره أنه خُلوف، أي هو يعني شيء مثل المخلّفات هكذا، شيء يعني رائحته ليست طيبة.

حسنًا، والحقيقة هذا مسك يا عمّي، مسك! كيف أنا لا أشمّه؟ أجل طبعًا، نحن لا ننكر أن رائحته سيئة، لا، نحن نقول لك ثوابه عند الله عظيم.

دم الشهيد ورائحته المسك عند الله والفرق بين الظاهر والحقيقة في الإيمان بالغيب

كذلك دم الشهيد، دم الشهيد، الدم عندما يُقتل القتيل وهكذا يأسن الدم، يأسن تعني تتغير رائحته، [لكنه] أطيب عند الله من ريح المسك.

إذن هذه قضية أخرى وهي الظاهر والحقيقة في حقائق الأشياء، ومن ضمنها أن الشهيد حيّ عند ربه. ونحن دائمًا نحاول أن نتجاوز المحسوس ونربطه دائمًا بالحقائق.

وهذه أيضًا مسألة مهمة يعلّمها لنا ربنا، وهذا هو الإيمان بالغيب؛ الذي أمامك أن الرائحة كريهة، والغيب الخاص بها أنها شيء جميل، فنؤمن بالغيب. وكذلك الجن والملائكة والجنة والنار، نعم لا بأس بها.

ولكن هذه نقطة دقيقة قليلًا هكذا، وهو أن الظاهر له حقيقة ونحن نتّبع الحقائق.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.