سورة آل عمران | حـ 506 | 154 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 506 | 154 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الآية الكريمة "وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور" تجعل المؤمن في حذر دائم.
  • الله وحده يعلم السر وأخفى وما في الصدور، بل يعلم ذلك أكثر مما يعلمه الإنسان عن نفسه.
  • الإنسان في اختبار وامتحان دائم مع ربه لينتهي عن الشر ويسارع إلى الخير، والله يحب المتوكلين.
  • الإيمان ليس مجرد تصديق بالقلب أو قناعة بالعقل، بل دافع للخير ومانع من الشر.
  • يتميز المسلم بإيمانه بصفات الله ومنها علمه بذات الصدور وبالتكليف والأوامر والنواهي.
  • بينما يتخبط غير المسلمين في التساؤل عن وجود الله وشأنه بالبشر وعلمه بما في صدورهم.
  • بعض الناس يرون أن الدين محصور في المسجد، لكن الإسلام يؤمن بإله وصف نفسه بصفات الجلال والجمال والكمال.
  • صفة "عليم بذات الصدور" هي التي تميز المسلم وتجعله في مراقبة دائمة لله.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الابتلاء والتمحيص من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في نهاية الآية:

﴿وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154]

الله وحده العليم بذات الصدور دون سائر خلقه

وهذا [الوصف الإلهي] جعل الإنسان في حذر دائم من ربه؛ لأنه ليس هناك أحد — لا من الملائكة المقربين، ولا من المرسلين، ولا من أولياء الله الصالحين، ولا من الجن الشياطين، ولا من الأتقياء المؤمنين — عليمٌ بذات الصدور سوى رب العالمين.

فالله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم السر وأخفى، هو الذي يعلم ما في صدرك، لدرجة أنه يعلم ذلك أكثر منك.

كيف ينسى الإنسان ذنوبه ويخادع نفسه قبل أن يخادع ربه

يعني في ساعات يضحك الإنسان على نفسه؛ يرتكب ذنبًا ثم يتوب من الذنب، وعندما يتوب من الذنب ينسى الذنب. وعندما نذكّره أو نقول له بأنك فعلت كذا، يقول: لا، أنا لم أفعل، لم أفعل! لا، أنت فعلت. ولو تأمل في نفسه هكذا يقول: نعم أنا فعلت، كيف فعلت هذا؟ يحب أن ينسى، يبدأ من جديد.

وسيفعل ذلك يوم القيامة حتى مع ربنا سيفعل ذلك [أي سيُنكر ذنوبه]، ولذلك هو عليم بذات الصدور.

الاختبار الإلهي الدائم بين الانتهاء عن الشر والمسارعة إلى الخير

ومن هنا جاء الاختبار والامتحان؛ فأنت في اختبار وامتحان مع ربك دائمًا، من أجل أن تنتهي عن الشر، وإذا وقعت فيه رجعت واستغفرت، ومن أجل أن تسارع الخير، ولو تأخرت فيه عزمت وقررت.

وإذا عزمت فتوكل على الله، وبعد ذلك انتبه:

﴿ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]

هذا ربنا يحب التوكل عليه.

الإيمان ليس مجرد تصديق بل هو دافع إلى الخير ومانع من الشر

إذا هذه الكلمات كجزء من آية [في سورة آل عمران] في منتهى الأهمية في حياة الإنسان المؤمن، تبين أهمية الإيمان حقًا.

الإيمان هذا ليس مجرد تصديق بالقلب، ليس مجرد قناعة بالعقل؛ هذا الإيمان دافع ومانع، يدفعك إلى الخير ويمنعك من الشر حسًّا. إذا فالإيمان له أثر حسي؛ لأنك مؤمن بصفة من صفات الله وهي أنه عليم بذات الصدور، وبصفة أخرى أنه يبتلي ما في صدرك ويمحّص ما في قلبك، وبصفة ثالثة أنه قد أنزل التكليف في صورة الأوامر والنواهي، الطاعات والمعاصي، فأمرك بالطاعة ونهاك عن المعصية.

حيرة غير المسلمين في وجود الإله وعلمه بما في الصدور

كل هذا الإيمان الذي تربيت عليه وآمنت به هو قضية كبيرة عند آخرين حائرين فيما إذا كان الإله موجودًا أم غير موجود، وإذا كان موجودًا فهل له شأن بنا أم ليس له شأن بنا، وإذا كان له شأن بنا فعلى أي أساس؟ هل يستجيب لدعائنا فحسب، أم أنه كلّفنا وأنزل النهي والأمر؟

وإذا كان له نهي وأمر فهل يعلم ما في صدورنا أم يمكن أن نخادعه ونضحك عليه؟ هذا موجود في عقائد كذلك عند بعض الخلق، أن ربنا لا يعلم ما في الصدور، ولذلك يمكن أن نخادعه؛ هكذا فهو يرى الظاهر، أما الباطن هذا الذي لنا، كيف سيعرف؟

كل هؤلاء الناس [الحائرين]، أما المسلم فيعرف أنه يعلم ذات الصدور، ما في الصدور.

أثر الإيمان بصفات الله في حياة المسلم وتعجب غير المسلمين منه

هذه الصفات التي يؤمن بها المؤمن لها أثر في حياته، ليس مجرد إيمان. وهذا الذي تتعجب منه طائفة من البشر من المسلمين، يتعجبون من المسلمين في هذا [الالتزام بالتكليف].

أنتم فيه حاجة [أي ما الداعي لذلك]؟ ما المانع أن تؤمن بالله وحسب؟ ما المشكلة عندما تؤمن بالله وربنا هذا يكون في المسجد؟ ما الذي أخرج ربنا من المسجد؟ إن ربنا لا شأن له بك خارج المسجد! أنت في المسجد تصلي وتعتكف وتذكر وتدعو وتقرأ فقط، وكفى بذلك.

الفرق بين الإسلام كدين شامل وبين العقائد الأخرى في فهم صفات الله

حسنًا، إن هذا ليس ربنا الذي نعبده؛ لأن ربنا الذي نحن نعبده وصف نفسه في كتابه بصفات كثيرة، منها صفات الجلال، ومنها صفات الجمال، ومنها صفات الكمال. وسبحانه وتعالى أمرنا أن نؤمن بهذه الصفات.

فما عليك إلا أن تؤمن، آمِن وليس لك شأن بإدخال هذا في الحياة؟ هذه هي الدعوة [التي يروّجها بعضهم]. وهذا هو الفارق بين الإسلام كدين يرى إيمانًا بالله، ويرى تكليفًا للخلق، ويرى يومًا آخر في الثواب والعقاب للحساب، وبين عقائد كثيرة يراها البشر.

حقيقة الفاصل بين المسلم وغير المسلم في الإيمان والتكليف

إذا فلا بد أن تفهم هذه الحقيقة؛ لأنها هي الفاصل بين المسلم وبين غير المسلم. غير المسلم هذا قد يكون مؤمنًا بالله، وقد يكون أيضًا مؤمنًا بكتب، وقد يكون أيضًا مؤمنًا بالحياة، وقد يكون غير مؤمن، وقد وكذلك.

ولكن من أنت؟ عندما يجلس البشر ويسألونك: من أنت؟ ماذا تعني كلمة مسلم؟ تقول له: مسلم يعني مؤمن بالله، له صفات كثيرة، ومؤمن بالتكليف، ومؤمن باليوم الآخر.

صفة العلم بذات الصدور هي التي تجعل المسلم مسلمًا حقًا

ما هذه الصفات الكثيرة؟ أنه عليم بذات الصدور! يا خبر أبيض، عليم بذات الصدور! هي التي تجعل المسلم مسلمًا.

عليم بذات الصدور يعني أنا معي كذلك [أي هذا ينطبق عليّ أيضًا]، عليم بي، ليس بما بي في الحجرة الظلماء في الليلة الظلماء، لا، بل عليم بالذي بداخلي كذلك، الذي لا يطلع عليه أحد من البشر.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.