سورة آل عمران | حـ 505 | 154 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 505 | 154 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص معنى الآية القرآنية "ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا" وتفسيرها في سياق الحرب.
  • النعاس علامة على إيمان المجاهد في الحرب وطمأنينة قلبه رغم شدة المخاطر المحيطة به.
  • المؤمن الصادق ينام وسط المعركة لأن الله أنزل عليه السكينة والاطمئنان رغم الأهوال المحيطة.
  • النعاس يختلف في دلالته: فهو علامة إيمان في لقاء الحرب، وعلامة نقصان في الصلاة التي تتطلب اليقظة والوعي.
  • الناس في المعركة طائفتان: طائفة مؤمنة غشيها النعاس لطمأنينة قلوبها، وطائفة أخرى أهمتها نفسها.
  • الطائفة الثانية تظن بالله غير الحق ظن الجاهلية وتخفي في نفسها ما لا تظهره.
  • هؤلاء يقولون "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا" فيرد الله عليهم "لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم".
  • استخدم القرآن أسلوب الالتفات في خطاب هذه الطائفة للتحقير.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تلاوة آية إنزال الأمنة والنعاس في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ [آل عمران: 154]

كيف ينزل الله الطمأنينة على قلوب المجاهدين في ساحة المعركة

الإنسان يحارب في سبيل الله، قومٌ تجد ربنا أنزل على قلبه الطمأنينة. من المفترض أن السيف الذي سيأتيني من أي جهة، والقذائف التي ستنزل في أي جهة، والمدفع الذي سيضرب من أي جهة، سأبقى خائفًا.

والخوف هذا يطير النوم من عيون الجبناء. أما الذي ثبّت الله قلبه فتجده نام وينام والضرب يعمل حوله.

قصص المجاهدين في النوم العميق وسط القصف والقنابل المتتالية

ويحكي لنا المجاهدون في سبيل الله أنه كان الضرب يأتي وقذائف انفجرت وهو نائم نومًا عميقًا. وسمع القنبلة تنفجر، ثم قنبلة بعدها على بُعد عشرة أمتار، ثم قنبلة بعدها على بُعد عشرة أمتار.

فعلم أن القنبلة القادمة ستصيبه وهو نائم، فتدحرج بسرعة هكذا، فجاءت القنبلة بعده بخمسة أمتار ونجا؛ لأنه كان نائمًا في خندق وفي تراب وما إلى ذلك.

الله! أنت نائم أم صاحٍ؟ أنت تتحرك أم أنت بيز [ثابت] بالضبط أم لا؟ لا همّه، قلبه مطمئن.

القلب المطمئن يجعل صاحبه ينام رغم الأخطار المحيطة به

وقلبه المطمئن هذا يجعله يسمع الأصوات وهو نائم. ديكهت [في الماضي] بقى كان يبقى راكبًا فرسًا وبعدين ينام!

ما هذا؟ أنت حولك هذا، أنت ستأتيك السهم أم الرمية أم السيف من أي جهة، فكان لازمًا ترتعد وتركز. لا، هذا ليس همّه.

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ [آل عمران: 154]

فالنعاس هذا ما هو [إلا] أمنٌ وأمان هكذا وطمأنينة في القلب.

النعاس علامة إيمان في الحرب وعلامة نقصان في الصلاة

﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: 154]

فذهبوا [العلماء] قالوا: إن النعاس علامة إيمان وعلامة نقصان. فإذا كان في اللقاء — لقاء الحرب يعني — فهو علامة إيمانه، وإذا كان في الصلاة فهو علامة نقصان.

فماذا يأتي في الصلاة إذن؟ وينام هكذا مما لا ينفعنا. هذه الصلاة تحتاج إلى ماذا؟ يقظة، حتى تعلموا ما تقولون، تحتاج إلى وعي، تحتاج إلى ذكر.

ولذلك فالنوم علامة إيمان وعلامة نقصان: في اللقاء يكون علامة ماذا؟ إيمان، وفي الصلاة هذا يكون علامة نقصان.

تقسيم الطائفتين بين من يريد الآخرة ومن أهمتهم أنفسهم

﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: 154]

أي قسّمهم [الله] وقال لهم من قبل:

﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ﴾ [آل عمران: 152]

فهنا قال: ﴿يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ﴾ [أي] التي تريد الآخرة.

﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: 154]

يبقى هذا مرعوب، هذا لا في نوم ولا في نعاس ولا شيء. انتبه: النعاس ليس النوم، النعاس مقدمات النوم؛ الإنسان هكذا تكون عيناه مُقفلة، هو فقط واعٍ بما حوله، وإنما هي علامة الطمأنينة وهدوء البال.

الطائفة الثانية التي تظن بالله غير الحق ظن الجاهلية

أما الطائفة الثانية فقد أهمّتهم أنفسهم:

﴿يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾ [آل عمران: 154]

هل سننتصر أم سنُهزم أم ماذا سيحدث؟ أصبحنا حكاية هكذا، ليلة سوداء وليلة بيضاء هكذا. يظنون بالله غير الحق، والله صدق وعده، ألا يقول لهم:

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُٓ﴾ [آل عمران: 152]

فهم هنا يجيئون ويظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية؛ الظن المبني على الجهل بصفات الله، الظن المبني على الجهل بسنة الله، الظن المبني على الجهل كشأن زمن الجاهلية وظلمة الجاهلية التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُخرج الناس منها إلى نور الإيمان وسعة الآخرة.

حيرة الطائفة المترددة وسؤالهم هل لنا من الأمر شيء

يبدؤون إذن يفكرون في هذا الموقف: هذا أنت قريب من الشهادة فيجب أن تكون متيقنًا. هم إذن لا يزالون حيارى يا عيني!

يقولون:

﴿هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ﴾ [آل عمران: 154]

ونحن ما كانت هذه الورطة، هذا يمكن أن أموت! الله، هل أنت لم تنتبه إلا الآن في الموقف؟ ليرى [الإنسان أن] هذا ليس توفيق.

يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ فلنفترض حدث نصر، فما يعني أن يكون نصرًا لي أنا وما شأني؟ ولنفترض حدثت هزيمة وأُسِرتُ مثلًا، فما شأني؟ حائر مسكين لا يربط الحكاية بالآخرة، لا يربط أن هذا العمل يدخله الجنة حيًّا أو ميتًا، لا يربط هكذا.

قل إن الأمر كله لله وما يخفونه في أنفسهم من الشكوك

﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 154]

سواء هُزمنا أو انتصرنا، ما يجب أن تُعلّق الأمور بربنا [سبحانه وتعالى].

﴿يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: 154]

فكيف عرف محمد [صلى الله عليه وسلم] هذا؟ هل انتبهت؟ قل له انتبه: هذه الطائفة في نفسها شيء لا تقوله لك أبدًا، الذي يعرفه الله [وحده]. يقولون: الله! فلماذا لمحمد [صلى الله عليه وسلم] اطلاع على [ذلك]؟

يقولون:

﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا﴾ [آل عمران: 154]

كنا نعقد مفاوضات ونُبرم اتفاقيات ولا يحدث شيء.

لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم

﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]

وانظر هنا، يسمّونه أصحاب البلاغة الالتفات:

﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: 154]

يخاطبكم هنا بقوله "بيوتكم"، ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِكُمْ﴾؟ ها، أنا أكلمكم هكذا "مضاجعكم"؟ لا! إلى مضاجعهم.

أسلوب الالتفات البلاغي في القرآن ودلالته على التحقير والإعراض

لو كنتم في بيوتكم، وعلى بال ما أكمل العبارة كما لو كان ضَجِرًا منهم، كما لو كان يعني يريد شيئًا، مشمئزٌّ منهم لا يحبهم، فلا يريد أن يذكر سيرتهم مرة أخرى.

فيقول ماذا؟ مضاجعهم، كأنهم أناس غائبون. وهذا ما يسمّونه الالتفات، والالتفات له أغراض من ضمنها التحقير؛ أي لستُ أُطيق يا أخي أن أكلمك.

حتى تعرف أنه يكلمني كيف؟ نعم أكلمك في البداية ريثما أكمل الجملة، ثم أُولّي وجهي الناحية الأخرى. معناه كذلك.

إذن إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.