سورة آل عمران | حـ 496 | 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 496 | 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يقرر القرآن حقيقة مشاهدة في قوله: "وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله"، فالموت بيد الله وليس بيد البشر.
  • حتى محاولات الانتحار تؤكد أن الموت لا يأتي إلا بإذن الله، فقد تفشل المحاولة رغم توفر أسبابها.
  • القصاص في الإسلام مبني على العفو، فقد يعفو أهل القتيل أو يقبلون الدية، وهو طريق وسط بين الإعدام المطلق وإلغائه.
  • الآية تشير إلى أن الإنسان يجب ألا يخاف من الموت، مما يجعله شجاعاً في فعل الخير ومساعدة الناس.
  • رجل الإطفاء مثال على البطولة، فهو يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين وهو متوكل على الله.
  • الموت مع كونه مصيبة تفرق الأحباب، فهو أيضاً رحمة ونعمة تنهي الآلام وتنظم الحياة.
  • الإيمان بحقيقة الموت يدفع الإنسان للبقاء على الطاعة والتوكل على الله، فلا يدري متى يأتيه الموت.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتقرير حقيقة أن الموت بيد الله وحده لا بيد البشر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة مشاهدة لا ينفك عنها حيٌّ، حيث يقول:

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 145]

هذه حقيقة مشاهدة، نعم، جعل سبحانه وتعالى لكل أجلٍ كتابًا، نعم، جعل الله سبحانه وتعالى لكل نفسٍ نهاية، ولكن هذا بإذن الله لا بيد البشر، حتى إن الإنسان إذا أراد أن ينهي حياته لم يستطع.

المحاولات الفاشلة للانتحار تؤكد أن الأجل بيد الله وحده

فنرى المحاولات الفاشلة للانتحار تؤكد ذلك [أن الموت بإذن الله لا بيد البشر]؛ فيشرب السمَّ ولا يموت، ويُلقي بنفسه من مكانٍ عالٍ ولا يموت، يأتي عارضٌ وينقذه، نفسه [يحاول إنهاء حياته] ولا يموت.

وبعض محاولات الانتحار تتمّ ويكون ذلك بإذن الله، يعني من الذي أنهى أجله؟ الله. تعددت الأسباب والموت واحد، ولكن هذا [المنتحر] مات عاصيًا، وكأنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة ورفض منّة الله عليه بالحياة.

حكمة الناس في الثأر وأن القاتل لو صبر لمات المقتول بأجله

ولذلك الناس يقولون في أمثالهم بعد تجربة السنين: لو صبر القاتل على المقتول لكان مات وحده. وما أنا لمّا قتلته فمات، عرفت أن هذا كان أجله، فلو كنت لم أقتله لكان مات، ولكن الذي حدث أنني ارتكبت الإثم، أنني عملت المعصية.

بالإضافة إلى أن أجله جاء، كان سيموت. فلا نحزن الحزن الذي ينسب الأشياء لغير مسببها ونقول إن هذا هو القاتل الحقيقة، فلا بد أن ننتقم منه، ولا بد أن ندمره هو وعائلته كما هو شأن الثأر في بلادنا. نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنهم وأن يتوب عليهم وأن يردهم ردًّا جميلًا.

القصاص في الإسلام مبني على العفو والدية كطريق ثالث بين الإعدام وعدمه

بل إن القصاص في الإسلام مبنيٌّ ابتداءً على العفو؛ فقد يعفو أهل القتيل فلا يكون هناك إعدام. ولا خلاف، يعني الآن يناقشون الإعدام، يقولون لك: نُعدم أم لا نُعدم؟

الإسلام جاء بشيءٍ ثالث لا أحد راضٍ أن يناقشه: نُعدم إلا بإذن أهل القتيل فنعفو. نحن الآن أمامنا إما أسود أو أبيض فحسب؛ ناسٌ تقول لك اعدم، وناسٌ تقول لك لا تعدم.

الإسلام جاء قال: لا، عقوبة الإعدام واردة، لكن في تفاوضٍ احترامًا للنفس وإعلاءً لقيمتها. نذهب وربما يعفو أهل القتيل، نتفاهم معهم، ربما يقبلوا الدية ولو كانت مغلّظة. إذن رسم لنا طريقًا ثالثًا وهو العفو المجاني أو في مقابل الدية.

ظاهر الآية أن الأمر بيد الله وإشارتها ألا تخاف من الموت فتكون شجاعًا

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَـٰبًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]

لها ظاهر ولها إشارة. الظاهر الخاص بها أن الأمر بيد الله وأن الخلق بيد الله.

فما هي إشارتها إذن؟ قال لك إن إشارتها أن لا تخاف من أحدٍ على حياتك! الله! تخيّل أنك لست خائفًا من الموت، فتقوم بالعمل الذي فيه مخاطرة وأنت متوكل على الله.

ولذلك رجل الإطفاء هذا أمرٌ له قيمة أخلاقية عظيمة. في البلاد يقولون لك إن هذا الرجل رجل إطفاء، أي شيءٌ مثل البطل! ورجل الإطفاء هذا ماذا يفعل؟ أي شجاع، لا يهمّه أن يدخل في النار لكي ينقذ الطفل، ولكي ينقذ المريض، ولكي ينقذ الضعيف، ولكي ينقذ الناس، ولكي يُطفئ الحريق حتى لا ينتشر.

الفرق بين من يموت بطلًا ومن يموت عاديًا والإشارة بأن تكون بطلًا شجاعًا

يمكن أن يموت [رجل الإطفاء]، نعم، فهو يمكن [أن يموت]:

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 145]

لن تموت إلا في الوقت الذي قدّره الله لها، ولكن هذا مات بطلًا فالناس يذكرونه بالخير، وذاك مات عاديًّا هكذا.

فتكون الإشارة منها [من الآية] ألّا تخاف، وألّا تخاف يعني أن تكون بطلًا، فكن بطلًا!

أيّ تربية هذه؟ إنها تريدنا جميعًا نصبح أبطالًا، الذين يُجيبون، الذين يستجيبون، الذين يقولون:

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

الذين يفهمون.

الحقيقة القرآنية تحتاج إلى فهم وتصديق ومعايشة بالتربية المستمرة

وهذه [الحقيقة القرآنية] تحتاج إلى فهم، لا، ليس فهمًا فحسب؛ هذه تحتاج إلى تصديق، ولكن ليس تصديقًا فحسب؛ هذه تحتاج إلى معايشة.

وهذه المعايشة كيف تحصل عليها؟ بالتربية، بأن يكون في كل شيءٍ معناه أنك تُربّي على أي شيء.

أتخاف من الموت اليوم؟ الموت إذا ذُكر جعل الإنسان في هامش حياته. وبعد ذلك وفي الأفلام والمسلسلات يقول لك: لماذا هذا الحديث؟ ولكن ما هذا الحديث؟ حديثٌ عن ماذا؟ الموت.

الموت مصيبة تفرق بين الأحبة لكنه أيضًا رحمة ونعمة من الله

كما أنه [الموت] مصيبة وكما أنه يفرّق بين الأحبة، إلا أنه ينهي الآلام، إلا أنه يفتح المجال أمام [الأجيال الجديدة].

إن لم يكن هناك موت، فجدّ جدّ جدّي ما زال حيًّا! وبعد ذلك كيف أخدمه؟ ما هو يجب أن أخدمه، هذا جدّ جدّي، فكيف أخدمه؟ فما أنا سأبقى جالسًا إذن! وابنه الذي هو جدّ جدّي، لكن ماذا سأفعل به؟

تخيّل أنه لا يوجد موت! الناس كان الناس قد تعبوا. فيصبح الموت راحة، والموت رحمة، والموت نعمة.

بالإضافة إلى أنه مصيبة يفرّق بين الأحباب، بالإضافة إلى أنه مصيبة:

﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]

نعم، مصيبة الموت.

الموت يغير العلاقات الاجتماعية لكنه يشتمل على نعمة ورحمة من الله

ويُغيّر [الموت] العلاقات الاجتماعية؛ امرأةٌ كانت متزوجة لم تعد متزوجة، مات الرجل! الله! واحدٌ له أبٌ ثم أصبح يتيمًا لأنه ما زال [صغيرًا]. إنها مصيبة، ولكنها مع ذلك تشتمل أيضًا على نعمة ورحمة من عند الله سبحانه وتعالى.

فيكون إذن نصّ هذه الآية [آية سورة آل عمران] يدل على أن الأمر بيد الله، والإشارة الخاصة بها تدل على أنك لا تخف يا ولد! أنت ومعناها هكذا: لا تخف، لا تخف من الموت؛ فالموت من عند الله، وبأجل الله، وبكتاب الله.

عدم الخوف من الموت يدفعك للشجاعة ونفع الناس ومراعاة الله في كل وقت

ولمّا لا تخاف تفعل ماذا؟ قم لتكون شجاعًا لنفع الناس، ولأنك تدخل في الأهوال من غير خوف.

وتفعل ماذا أيضًا؟ أن تكون مراعيًا لربك؛ لا تسرق، ولا ترتشي، ولا تُفسد في الأرض. لماذا؟ لأن الموت يمكن أن يأتيك في أي لحظة؛ لأنه كتابٌ مؤجّل.

﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

فكيف أفعل ذلك إذن؟ يجب إذن أن أكون في طاعة دائمة لئلا يأتيني الموت الآن؛ فهو ليس بيدي ولا أعرف كيف أفعله.

النهي عن الانتحار والتوكل على الله والبقاء على الطاعة والشجاعة حتى الممات

ولذلك لا تنتحر؛ بدلًا من أن تأخذ إثمًا وستعيش أيضًا! ولا أعرف كيف أتركه [الموت] وأصدّه وأردّه وأقول له: لا، ليس اليوم، تعال إلينا لأنني لست متفرغًا اليوم!

عندما يأتيني ملك الموت هكذا أو هكذا، فإن الإشارة الخاصة بها [بالآية] تقول لي: توكّل على الله، وابقَ على الطاعة، وابقَ شجاعًا.

كل هذا هو الإشارة، ولكن الأمر لله.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.