سورة آل عمران | حـ 477 | 129-130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 477 | 129-130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يفسر النص قوله تعالى: "لله ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والله غفور رحيم"، موضحاً أن الله يحيط الجلال بالجمال في القرآن.
  • جمع الله في هذه الآية بين المغفرة والعذاب، محاطاً بصفتي الغفور الرحيم، ليجمع بين المعرفة والحب والخوف.
  • يجب على المسلم معرفة الله وأسمائه الحسنى وحقائق الإيمان حتى تستقيم حياته.
  • القرآن يوازن بين الحقائق الإيمانية والتكاليف الشرعية، فلا ينفصل الإيمان عن الحياة.
  • انتقل النص إلى تحريم الربا في قوله تعالى: "لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة".
  • جماهير العلماء على أن عبارة "أضعافاً مضاعفة" لبيان الواقع وليست قيداً للتحريم.
  • الربا محرم قليله وكثيره، والتحريم مرتبط بالإيمان والعقيدة في صورتها العملية.
  • ختم بالأمر بالتقوى وترك الربا والبعد عن الفساد.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس بتلاوة آية من سورة آل عمران عن ملك الله وغفرانه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 129]

قاعدة قرآنية: لا يُذكر الجلال إلا ويُذكر معه الجمال

يقول لك: ما ذكر الله جلالًا في القرآن إلا وذكر معه الجمال؛ لأن الإنسان لا يقدر على جلال الله وحده إلا وهو محاط بالجمال.

ولذلك قال:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

جمالٌ في جمال، هكذا هو جمال في جمال. فيقول [الله تعالى]: يغفرُ ويقدم المغفرة أولًا لمن يشاء.

تنبيه أحمد باشا زكي على عدم استخدام علامات الترقيم في الكتاب والسنة

كما تكون، أي بين قوسين، وممنوع استعمال علامات الترقيم في القرآن والسنة. أفاده أحمد باشا زكي عندما وضع علامات الترقيم وقال: إلا الكتاب والسنة لا تستخدموا فيهما علامات الترقيم هذه.

إن علامات الترقيم هذه يستخدمونها في كتبهم، ولكن في الكتاب والسنة لا. وأحمد باشا زكي كانوا يسمونه شيخ العروبة؛ لأنه كان مهتمًا جدًا باللغة العربية وبتحسين أدائها وتحسين حروفها في المطبعة الأميرية وأشياء من هذا القبيل.

الترغيب والترهيب في الآية والجمع بين الجلال والجمال الإلهي

فالله يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. ما هو الأصل [في ذلك]؟ في بعض الناس في انحراف كهذا: عندما تعلم أن الله يرحم وغفور، هكذا يتمادى في السوء، إنما هو [سبحانه] يرغب ويرهب، ويعذب من يشاء.

مثلًا قال [سبحانه]:

﴿ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]

أبدًا، قال:

﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْمِحَالِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الرعد: 13]

أبدًا، ثم عاد فقال ماذا؟

﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 129]

انظر إلى الكلام: ها هو يغفر لمن يشاء — جمال، ويعذب من يشاء — جلال، والله غفور رحيم — جمال.

حصر الجلال بين الجمال والجمال في الآية الكريمة

إذن إذا حُصر الجلال بين الجمال والجمال: ها هو يغفر لمن يشاء — حسنًا، والله غفور رحيم — حسنًا، جمال وجمال، وُضع بينهما ماذا؟ ويعذب من يشاء — جلال.

يغفر لمن يشاء: الواحد أن ينبسط، هكذا هو الحمد لله، يا رب اجعلني منهم. ويعذب من يشاء: فيبقى فيه أي خوف. والله غفور رحيم.

المؤمن يعيش بين المعرفة والحب والخوف من خلال الآية

قالوا: هكذا المؤمن بين المعرفة وبين الخوف وبين الحب. والخوف والمعرفة:

  • فأين الحب؟ يغفر لمن يشاء.
  • فأين الخوف؟ ويعذب من يشاء.
  • فأين المعرفة؟ والله غفور رحيم.

أنت منتبه! إذن يجب يا إخواننا من أسس فكر المسلم أن يعرف ربنا؛ لأنه بدون الله ستكون هذه الحياة مصيبة سيئة جدًا. يعني هكذا عندما تجلس لتفكر: طيب ماذا لو لم يكن هناك رب، لا يوم آخر، لا جنة ولا الله؟ حسنًا، وما فائدة هذه الحياة إذن؟ إنها مجرد شقاء تكون واقعة.

معرفة الله تزداد بأسمائه الحسنى والتكاليف والحقائق الإيمانية

ولكن الحقيقة أن في [معرفة] الله معرفة، وهذه المعرفة تزداد بمعرفة أسماء الله الحسنى، وتزداد بمعرفة التكاليف، وتزداد بمعرفة الحقائق الإيمانية.

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 129]

معرفتها [هي الأساس الأول].

﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 129]

ثانيها الحب: أهو يغفر لمن يشاء. ثالثها المخافة: ويعذب من يشاء. ملخص ماذا؟

﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 129]

البحث في القرآن عن المعرفة والمحبة والخوف لاستقامة الحياة

يبقى إذن وأنت تقرأ القرآن: ابحث عن المعرفة، وابحث عن المحبة، وابحث عن ماذا؟ عن الخوف، وبها تستقيم الحياة.

كلما ذكر [الله] لنا حقائق إيمانية لفتنا مرة أخرى إلى حياتنا؛ حتى لا ينفصل الإيمان عن الحياة. كلما ذكر لنا أمورًا عقائدية كلما ردنا مرة أخرى إلى القيم والأخلاق، إلى التكاليف والشريعة؛ حتى لا نكون داعين لتوهمات لا نهاية لها من متاهات الفكر أو من فلسفة العقيدة.

الانتقال من الحقائق الإيمانية إلى تفاصيل الشريعة في القرآن

فيقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينتقل من هذا [الحديث عن الحقائق الإيمانية] إلى هذا [الحديث عن الشريعة]، ومن هذا إلى هذا: فبعد أن تحدث إلينا عن قتال الناس وكيف يكون وما القضايا العظمى التي تكتنف بذلك، وحدثنا عن الحقائق الإيمانية وشعور المعونة والتأييد، وهذه الحقائق التي تتعلق بالمعرفة والخوف والجمال والحب، يأتي ويعيدنا مرة أخرى إلى الشريعة وإلى تفاصيل الحياة.

حتى يقول لنا: إنه في صفحة واحدة؛ لأنه يتحدث عن هذا وعن هذا؛ لأن الكل من عند الله، ولأن المؤمن لا يفرق بين هذا وهذا إلا فرقًا أكاديميًا كي نعرف كيف ندرس ونعمل، ولكن ليس فرقًا حياتيًا.

النهي عن أكل الربا وبيان أنه من الكبائر الموجبة للنار

فيقول [الله تعالى]:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 130]

فنهانا [الله تعالى] عن أكل الربا وجعله موردًا من موارد النار وكبيرة من الكبائر والعياذ بالله تعالى.

يا أيها الذين آمنوا: إن هذا الأمر متعلق بالإيمان، وإن هذا الأمر متعلق بالعقيدة في صورتها التشريعية العملية. ولذلك أجمع المسلمون على حرمة الربا.

هل قيد أضعافًا مضاعفة لبيان الواقع أم لتقييد التحريم

لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة: هل هذا قيد لبيان الواقع أم أنه قيد التحريم؟

انتبه! قيد لبيان الواقع: أن الربا إذا ما تُرك يسري كان أضعافًا مضاعفة. أو أن هذا قيد للتحريم: أن الله قد حرّم من الربا ما كان أضعافًا مضاعفة [فقط].

فجماهير الأمة من السلف والخلف [يرون] أنه ليس قيدًا في التحريم وإنما هو لبيان الواقع.

شرح معنى القيد في التحريم والإدخال والإخراج وموقف الجمهور

ما هو القيد؟ قد يأتي [القيد] من أجل الإدخال والإخراج: يُخرج شيئًا من المحرم، حينئذ يكون قيدًا في التحريم. يكون ربنا حرّم الربا الذي هو أضعاف مضاعفة فقط، لكن الربا الذي ليس أضعافًا مضاعفة يبقى حلالًا.

وحينئذ ماذا نقول؟ إن هذا قيد في التحريم. أم أن أضعافًا مضاعفة هذه لبيان الواقع؟ نعم، القيود وُضعت لبيان الواقع. أصلًا الإدخال والإخراج هذا مهمة سنوية [في علم الأصول].

فجماهير جماهير الأمة من السلف والخلف على أن هذه ما هو إلا لبيان الواقع. يبقى الربا قليله وكثيره حرام، هذا هو بيان الواقع، معناه كذلك.

رد العلماء على من فهم أن الربا المحرم هو ذو الأضعاف فقط

فجاء بعضهم وفهم من هذه الآية في العصر الحديث أنها هذه قيد وليست آية لبيان الواقع، واجتهد هذا الاجتهاد أن الربا المحرم هو الربا ذو الأضعاف والمضاعفة [فقط]. فلم يلقَ هذا [الاجتهاد] قبولًا لدى العلماء المتشرعين إلى يومنا.

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]

أمرٌ بالبعد عن الربا وبالتقوى في الرحمة مع الناس. فاتقوا الله عباد الله وكونوا من المصلحين ولا تكونوا من المفسدين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.